الرئيسية » أخبار عربية » تفاصيل صفقة قطر السرية و”فدية الأمراء”.. وكيف أثرت على صراع الشرق الأوسط؟

تفاصيل صفقة قطر السرية و”فدية الأمراء”.. وكيف أثرت على صراع الشرق الأوسط؟

ترجمة- محمد الصباغ وهدى الشيمي:
أعد الصحفي روبرت ف. ورث تحقيقاً نُشر في صحيفة نيويورك تايمز (المجلة) منذ أيام، يروي فيه تفاصيل صفقة الفدية التي دفعتها قطر لميليشيات شيعية وسنية من أجل الإفراج عن عشرات الأمراء والأفراد من أسرة آل ثاني الحاكمة في الدوحة، التي تحولت إلى جزء من خطة سياسية أثرت على شكل الصراع في الشرق الأوسط، وأصبحت أحد أسباب مقاطعة الدول الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) للدوحة في يونيو الماضي.

وفيما يلي تفاصيل التحقيق:
“تتميز صالة كبار الزوار (VIP) في مطار بغداد الدولي بالنظافة والهدوء، فهي تبعد نحو ربع ميل عن الضوضاء والضجيج الموجودين بصالة الوصول والمغادرة الرئيسية. وإذا كان لديك الاتصالات الصحيحة و150 دولاراً فقط، فبإمكانك انتظار رحلتك وأنت تنعم بالراحة، وتجلس على المقاعد ذات الجلد الأبيض الناعم، وتحتسي القهوة “الإسبرسو” وتُلقي نظرة عن قرب على الأشخاص الملونين الذين يديرون الشرق الأوسط الآن.

وإذا حالفك الحظ، فسترى في وقت ما بعد الظهيرة ركاباً من ضمنهم قوات إيرانية نمت ثرواتهم بالاختلاس، وإذا بقيت لمدة أطول، فستلمح عيناك أثرياء الخليج بملابسهم البيضاء الفخمة، وربما بعض القيادات السابقة في قوات الحرس الثوري الإيراني، أو الدبلوماسيين الروس أو الأتراك، الذين يرغبون جميعاً في الاستيلاء أو البلطجة على الدولة العراقية الضعيفة.

الجميع مرحب به ما دام يتحدث بلغة النقود، وفوقك– في صالة الانتظار- توجد شاشة تليفزيون كبيرة مركبة فوق الجدران العراقية القديمة، ما يمكنك من مقارنة كوارث اليوم بالتي حدثت في الماضي. وقبل المغادرة، سيأخذ منك موظفو الجمارك بملابسهم السوداء، جواز سفرك وأوراقك، ثم يعود أحدهم بعد 10 دقائق، يبتسم بشكل متعمد ويمد يديه لك ويمنحك المستندات المختومة بكلتا يديه.

لكن، حتى هنا فإن التعامل المميز له حدود، ففي 15 أبريل العام الماضي وصل رجل قطري إلى صالة كبار الزوار من عاصمة بلاده الدوحة، وبعد أن عرّف نفسه كمبعوث حكومي رفيع المستوى، طلب وزملاوه الأربعة عشر عدم تفتيش أمتعتهم.

وكان مع القطريين 23 حقيبة سوداء متشابهة تماماً وثقيلة جداً، إذ تزن كل منها أكثر من 100 رطل، وواجه الحمالون مشكلة في نقلها إلى الغرفة.

وأصرّ العراقيون على ضرورة فحص الحقائب عبر أجهزة التفتيش، رغم وصول القطريين إلى صالة كبار الزوار، وصُدم قائد الفريق القطري بعد سماعه ذلك، فاجتمعوا معاً وأجروا نقاشاً، ثم أجروا عدة مكالمات هاتفية.

في نهاية الأمر، وافقوا على فحص الحقائب. كان بداخل كل منها مربعات أشبه بقوالب طوب ملفوفة بشرائط سوداء، ولم يستطع الماسح الضوئي الكشف عما بها، وعندما سأل مسؤولو الجمارك ماذا يوجد أسفل الشرائط السوداء، رفض القطريون الإجابة عليهم.

استمرت المواجهة طوال الليل، وأخيرا، قرب الفجر، استسلم القطريون الغاضبون وانتقلوا إلى بغداد دون امتعتهم، وفي وقت لاحق، فتح العراقيون الحقائب الـ23 واكتشفوا أنها تحتوى على دولارات ويورو، ووصل حجم المبلغ إلى نحو 360 مليون دولار أمريكي.

بعد أسبوع، استمر التحفظ على الأموال، وغادر الفريق القطري بغداد في نفس الطائرة التي أوصلتهم إلى العراق. وكان برفقتهم نحو عشرين قطرياً آخرين، من بينهم أشخاص ينتمون إلى عائلة آل ثاني، العائلة الحاكمة في قطر، بما في ذلك قطريين اختطفوا خلال رحلة صيد في العراق قبل 16 شهرًا.

لم يتم الكشف عما حدث في هذه الرحلة حتى الآن، ولكنها ترجح حدوث صفقة كبيرة تضمنت دفع القطريين فدية كبيرة ومبالغ طائلة للإرهابيين على الجانبين المشاركين في الانقسام الطائفي في الشرق الأوسط، ما غذى الحروب الأهلية المتصاعدة في المنطقة.

تجاوزت تكلفة الصفقة الـ360 مليون دولار، وبات المال في النهاية أقل أهمية من البعد السياسي للاتفاقية. فمن أجل استرداد رهائنها، أُجبرت قطر على التفاوض على اتفاقية خاصة بعملية تبادل ونقل السكان في سوريا، باستخدام الميليشيات المتمردة التي تمولها لإجبار السكان على الخروج من أربع مدن تقع في مواقع استراتيجية.

ساعد ذلك طهران على تحقيق هدفها الأكبر المتمثل في تحويل سوريا، إلى جانب العراق ولبنان واليمن، إلى دولة تابعة تضمن إبقاء الهيمنة الإيرانية على جميع أنحاء المنطقة. وكانت الصفقة بمثابة ضربة لهدف إدارة ترامب بالدفع ضد العدوان الإيراني، ولآلاف السوريين الذين يتضورون جوعًا، وكان ذلك يعني أنهم مضطرون إلى الذهاب إلى المنفى، لاسيما أن حكومتهم ضعيفة.

وما بدأ كعملية اختطاف وقحة تحول في النهاية إلى أحد تحركات القوى الجيوسياسية التي تمزق الشرق الأوسط. وتورط فيها الجميع، وكان لكل شخص ما يخفيه، باستثناء الصيادين العاجزين، الذين تسببوا في حدوث كل ذلك.

البداية
في أواخر نوفمبر من عام 2015، غادرت مجموعة كبيرة من صائدي الصقور الدوحة. تحركوا في طابور من سيارات الدفع الرباعي متجهين نحو الجنوب. عبرت المجموعة الحدود السعودية، قبل أن تتوجه شمالًا مرورًا بالكويت حتى وصلوا إلى صحراء جنوب العراق، على بعد 450 ميلًا من الدوحة.

تتألف المجموعة من عشرات الأشخاص، بينهم خدم ويقودهم تسعة أفراد من أسرة “آل ثاني” القطرية الحاكمة، أحد أغنى العائلات على وجه الكرة الأرضية. اختار القطريون أرضًا في محافظة المثنى العراقية، التي يقصدها قليل من الزوار منذ الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003. تتناثر في صحراء هذه المحافظة القنابل والألغام نتيجة عقود من الحروب المتفرقة.

ومع سيطرة تنظيم داعش على أغلب مناطق شمالي العراق، وانتشار المجموعات الشيعية المسلحة في المناطق الأخرى، بات العراق وجهة من الصعب على السياح التفكير في الذهاب إليها.

لكن هذه المنطقة الممتدة من الأرض، التي تقريبًا لا يوجد فيها بشر، باتت جنّة موسمية لطيور الحُبارى. ولم يتمكن هؤلاء القطريون من المقاومة وقرروا التوجه إلى هناك رغم التحذيرات. وعلى مدار الأسابيع الثلاثة التالية، انطلق الصيادون في الصحراء مع حراسهم المستأجرين، كما أنهم وزعوا الهدايا على البدو الذين التقوهم لضمان أمنهم.

وبالنسبة لصيادي الصقور العرب، فإن طائر الحُبارى وهو طائر جاحظ العين، ذو أرجل طويلة في حجم الدجاجة- هو أهم الطيور في اللعبة. فهو طائر سريع، لديه وسائل غير عادية للدفاع، عند محاصرته، فهو يتقيأ مادة خضراء اللون، بإمكانها إصابة الصياد بالعمى المؤقت. وفي الأيام التي سبقت اكتشاف النفط في الصحراء العربية، كانت العودة الموسمية لطائر الحُبارى في كل فصل، تقابلها شعائر احتفالية، ومطاردات طويلة على الجمال. إلا أن سيارات الدفع الرباعي (لاند روفر) جعلت الأمور أسهل، ولكن مطاردة الحُبارى-التي يُقال إن تناول لحومها يساعد على إثارة الشهوة الجنسية-لا تزال واحدة من الأمور المقدسة، بجانب امتلاك الخيول الأصيلة، واليخوت الضخمة، والقصور الفرنسية، التي تسيطر على عقول أمراء الخليج.

يتبع صائدو الحُبارى خطوات يومية معروفة. يبدأ يومهم مع الفجر، فيقوم مقتفو الأثر وبعض الكلاب السلوقية بالبحث بين الحشائش حتى يخرجوا الحُبارى من مساكنها. يطلق بعدها الصيادون صقراً مدرباً ليطير في سماء الصحراء، ويبدأ رحلته لصيد الطائر المنشود.

يتمكن الصيادون من الحصول على خمسة من الحُبارى يوميًا، وبحلول يوم الخامس عشر من ديسمبر 2015، كانوا على استعداد للعودة إلى أرض الوطن. وفي تلك الليلة، باتت الأجواء أكثر برودة في ليل الصحراء، جلس الرجال حول النيران المشتعلة حتى يشعروا بالدفء.

جلس الخدم يعدون العشاء على النيران، ويصبون الشاي في الأكواب. وبحلول الساعة الثالثة صباحًا، كان أحد الخدم يحاول إيقاظ أحد أفراد أسرة آل ثاني، حيث كان نائمًا في خيمته، يبلغ من العمر 37 عامًا (وسنطلق عليه لقب أبومحمد). كان الخادم يشعر بالرعب الشديد. فقد حاصر الجنود المخيم بالكامل. استيقظ أبومحمد، وارتدى ملابسه سريعًا. رأى رجالاً يرتدون زيًا موحدًا وبجوارهم عشرات من سيارات الدفع الرباعي وشاحنات مدججة بالأسلحة.

في البداية، اعتقد أبومحمد أن الأمر اختلط عليهم، أو أنها زيارة من الجيش العراقي لتحذيرهم من خطورة وضعهم في المنطقة. لكن في غضون دقائق، دخل الخيمة مجموعة من الرجال الملثمين المسلحين ببنادق آلية. حمل أحدهم قائمة أسماء مكتوبة وبدأ في قراءتها. بدا أنه كان يبحث عن أكبر أفراد أسرة آل ثاني. قاد المسلح أبومحمد إلى الخارج في الهواء البارد. وهناك رأى أقاربه ممددين على الأرض بثيابهم البيضاء الطويلة، وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم.

كانت البنادق مصوبة نحو ظهورهم. وفي تلك اللحظة شعر أبومحمد بأنهم باتوا رهائن لتنظيم داعش وأن مصيرهم قريبًا سيكون القتل.

سمع أبومحمد صوت الحديث الصادر من أجهزة التواصل اللاسلكية التي كان يحملها الخاطفون: اتركوا كل شيء وعودوا الآن. لم يقدر على تحديد لهجة المتحدثين أو لصالح من يعمل هؤلاء الأشخاص. دفع الخاطفون بالقطريين نحو سيارات الدفع الرباعي الرياضية ووضعوا على أعينهم عصابة.

مع وصول الموكب إلى طريق ممهد، كان المخطوفون قد تم نقلهم من السيارات الرباعية إلى شاحنات. وجدوا أنفسهم على الأرض، مقيدين وأعينهم معصوبة، ويتألمون مع اصطدام بين الأجساد في كل مطب تمر عليه الشاحنة.

من هؤلاء؟
في لحظة ما، توجه أحد الخاطفين نحو أحد المخطوفين وبدأ في توجيه الإهانات والسباب للسيدة عائشة. هنا أدرك أبومحمد ومن معه أنهم في قبضة مسلحين شيعة، وليس داعش أو جماعة جهادية سُنية.

بعد ثلاث أو أربع ساعات من القيادة، توقفت الشاحنات. استطاع المخطوفون سماع أصوات طائرات تهبط وتقلع بجانب أصوات جنود. ومع أصوات الأوامر والتحيات العسكرية أيضًا كان بإمكانهم سماع أصوات تهتف “يا حسين”. لم يستطع المخطوفون تحديد موقعهم، لكنهم كانوا تقريبًا على أطراف قاعدة طليل العسكرية (كان يطلق عليها في السابق قاعدة الإمام علي)، الموجودة بالقرب من مدينة الناصرية، إحدى أكبر تجمعات المسلحين في جنوب العراق.

ظل القطريون في القاعدة العسكرية قبل أن يتم نقلهم إلى منزل آخر. قرر أبومحمد في لحظة ما أن يتصرف –على الطريقة القطرية-مستخدمًا أمواله. (كان الخاطفون قد جردوهم من هواتفهم الذكية وألقوها بعيدًا خلال رحلتهم بالسيارات). كان معه نحو 120 ألف ريال قطري بداخلها، أي ما يعادل نحو 33 ألف دولار أمريكي. قال “نستطيع أن ندفع”.

وكان بعض المحتجزين الآخرين يمتلكون أموالًا أكثر، ووصل تقريبًا إجمالي ما كان معهم جميعًا مئات الآلاف من الدولارات، أو أكثر.

حينما عرض المخطوفون، بدا قائد الخاطفين غير عابئ، وسألهم: “هل تعتقدون أنني أريد أموالكم؟”

بدأت كلمة الاختطاف تتردد في قطر لأول مرة في نحو الساعة السادسة صباحاً، وانطلقت سلسلة من الاتصالات الهاتفية بين الحكومة والأسرة المالكة. وأبرزت الأخبار نقاط الضعف التي جاءت مع تزايد النفوذ القطري المفاجئ. شبه الجزيرة الصغيرة جدا على الخليج العربي، تحولت من الفقر إلى الثراء الفاحش في غضون العقود الثلاثة الماضية فقط، بفضل (اكتشاف) الغاز الطبيعي تحت أراضيها وشواطئها. الناتج الإجمالي للإمارة يبلغ 181 مليار دولار لكن عدد سكانها فقط 300 ألف نسمة.

تقع قطر بين إيران القوة الشيعية الأكبر في المنطقة وبين السعودية المنافس الأبرز لطهران. ومع بداية التسعينات، حاولت قطر حماية نفسها بإزعاج واحترام كل الأطراف في وقت واحد. فقد مهدت علاقات مع سوريا وإيران وحزب الله وهم المحور الشيعي في المنطقة، ما أغضب السعوديين والأمريكيين. وفي نفس الوقت تواصلت مع دول سُنية مستخدمة أموالها التي لا تٌحصى لعمل صفقات دبلوماسية في لبنان واليمن.

كما صنعت قناة الجزيرة المزعجة التي ترضي الحشود عبر بثها المعادي للأمريكيين، برغم أن قطر نفسها تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.

لكن في السنوات الأخيرة، انقلبت سياسة قطر عليها. فمع اندلاع الربيع العربي في عام 2011، موّلت قطر جماعة الإخوان المسلمين في أنحاء المنطقة، ورأت أن الجماعة قوة يتعاطف معها المواطنون السُنة في عصر أكثر ديمقراطية. أغضب ذلك السعودية والإمارات اللتين تعتقدان أن الإخوان المسلمين يقوضون أنظمتهما المستبدة.

كما قامت قطر بمخاطرة أخرى عبر تمويل الجماعات المسلحة السُنية في سوريا ومن بينها فرع تنظيم القاعدة، أملًا في أنها قد تفوز بالحرب الأهلية وتظهر التقدير لداعميها. وعلى العكس من ذلك، استمرت الحرب الأهلية وباتت المعارضة أكثر تطرفًا وباتت قطر موصومة بالتعاون مع منظمات إرهابية. وفي النهاية، صنعت قطر لنفسها أعداءً من الجانبين مع استفحال الانقسام الطائفي.

قاسم سليماني
خلال أيام من اختطاف الصيادين، قررت الحكومة القطرية أن المنتمين للأسرة الحاكمة في قطر على الأغلب رهائن لدى ميليشيات شيعية مدعومة من إيران، وبات مصيرهم في يد رجل ربما يكون العسكري الأكثر قوة في الشرق الأوسط: الجنرال الإيراني قاسم سليماني.

يتحكم القائد الصارم في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، ومجموعات أخرى مسلحة تحارب لصالح إيران بالوكالة، وحلفاء في المنطقة. يقدم سليماني تقاريره مباشرة إلى المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، ويعتبر الرجل الأقوى مقارنة حتى بالرئيس أو وزير الخارجية في بلاده.

قاد سليماني بشكل مباشر جهود إيران الناجحة في مواجهة السياسة الأمريكية في العراق منذ الغزو الأمريكي في عام 2013. ووصفته مجلة “وايرد” في عام 2012 بأنه “أخطر رجل في العالم.”

ويبدو أن القائد الإيراني غير مهتم بشكل كبير بأموال الفدية. كانت أولويته لسنوات هي سوريا، حيث تحارب إيران بقوة إلى جوار نظام الرئيس بشار الأسد. وتعتبر سوريا شريان حياة لإيران منذ الثمانينات، حينما بدأت الجمهورية الإسلامية نقل الأسلحة عبر سوريا إلى حزب الله في لبنان. ومع اندلاع الحرب السورية في عام 2011، بات هذا الأمر في خطورة.

وباتت القوى الشيعية والسنية بالمنطقة عالقة في الأزمة السورية، وحولت الحراك الديمقراطي للربيع العربي إلى معركة للطائفية. بالنسبة للسعوديين وحلفائهم، كان دعم المعارضة السورية فرصة ذهبية لإسقاط الأسد، ودفع سوريا نحو الجانب السُنّي وعزل إيران. وبالنسبة لسليماني الذي قاد المجموعات المسلحة في سوريا، باتت الحرب الأهلية معركة وجود للإبقاء على الحليف الوحيد الذي يُعتمد عليه.

بشكل مفاجئ أصبح الرهائن القطريون أوراق ضغط في اللعبة الجيوسياسية. تمتلك قطر نفوذا قويًا على الفصائل المسلحة التي يُعتقد أنها تمولها، نفوذاً قد يكون مفيدًا لرجل استراتيجي مثل سليماني.

وفي عام 2015، كان سليماني وحلفاؤه في حزب الله يبحثون عن طرق جديدة من أجل بسط سيطرتهم على مناطق رئيسية قرب العاصمة السورية دمشق: ليس فقط بقتل مسلحي المعارضة بل بترحيل المواطنين السُنّة الذين استسلموا وحصلوا على الحماية. كما أنه أمل في إعادة توطين مواطنين شيعة أقل تمردًا في هذه البلدات.

كان مخططا طموحا ومثيرا للجدل، مع تصاعد الحديث حول عملية تطهير عرقي. لكن لو نجح في هذا الأمر، ربما يطيل من أمد النفوذ الإيراني في سوريا على المدى الطويل.

وقبل احتجاز الموطنين القطريين بوقت قصير، كانت إيران بدأت جهودًا جريئة نحو هذا النقل الديمغرافي. وفي اجتماع في إسطنبول تم التمهيد له بواسطة الأمم المتحدة في سبتمبر من عام 2015، اقترح مبعوث سليماني اتفاق المدن الأربع: حزب الله سينهي حصاره لبلدتين من معاقل المعارضة السنية في سوريا بالقرب من الحدود اللبنانية وهما مضايا والزبداني، الذين يشكل المسلحون فيها تهديدًا مستمرًا للرئيس الأسد في دمشق. وفي المقابل، ستنهي المعارضة المدعومة من قطر حصارها لبلدتين شيعيتين في الشمال الغربي وهما الفوعة وكفريا.

وقد ينهي الاتفاق هدفين تسعى إليهما إيران: الأول هو التخلص من تهديد المعارضين في منطقة استراتيجية، في وقت يتم فيه إنقاذ الشيعة الذين يواجهون الخطر في الشمال.

بدا الاتفاق مبهمًا في البداية، لكن البعض أشار إلى أن الإيرانيين اقترحوا تبديل السكان في تلك المدن، حيث يستبدل السُنّة والشيعة أماكنهم حرفيًا وربما يسكن كل منهم في منازل الآخر. قدموا الأمر على أنه حل إنساني: ينهي حصارين ويستفيد منه سكان المدن الأربع.

لكن متحدث باسم المعارضة في إسطنبول رفض بغضب الفكرة برمتها، واعتبرها جهودًا مغرورة لإعادة تشكيل طبيعة سوريا وتنوعها الديني والعرقي بحسابات عرقية وقحة.

وبوجود الرهائن القطريين معهم، امتلكت إيران ورقة ضغط قوية ضد المسلحين، أو بمعنى أدق على الدوحة الممول الرئيسي لهم. وبعدما قُتل اتفاق البلدات الأربع في إسطنبول، عاد مرة أخرى على الطاولة.

لم يستغرق الأمر طويلًا لوكلاء سليماني حتى يلقوا بما يريدون على الحكومة القطرية. واستخدموا حزب الله للتواصل مع الأطراف الأخرى المتداخلة في الأمر، وسمح ذلك لإيران أن تمتلك سيطرة على المفاوضات حول الفدية، والتي كانت من الممكن أن تنتهي سريعا بدفع للأموال إلى الخاطفين العراقيين. بدلا من ذلك، أرسل حزب الله مبعوثا رفيع المستوى إلى الدوحة ووضع هناك الشروط بوضوح: سوف يتم تحرير الرهائن إذا ساعدت قطر في إنهاء اتفاق البلدات الأربع.

القطريون أقل اهتماما بالتعقيدات التي تحيط بالاتفاق مقارنة بالقدرة الكبيرة على دفع الأموال، وأبدوا استعدادهم لاستضافة سلسلة من اللقاءات بحضور الأطراف المختلفة المتداخلة في البلدات الأربع: حزب الله، الإيرانيون، والمعارضة المسلحة.

رغم الفكرة المغرية بتخيل هذه العناصر على طاولة واحدة، يبدو أن كل منهم التقى مع القطريين بشكل منفرد. وركزت أكثر المفاوضات على الترتيبات اللوجستية. فنقل مدنيين في منطقة تتحرك الحرب بشكل سريع ليست عملية سهلة، وكان هناك الكثير من الخلافات يجب أن يتم حلها.

كانت بعض المجموعات المسلحة المعارضة ترفض فكرة نقل السكان، كما أن النظام السوري الذي لم يكن جزءًا من الصفقة بالأساس أبدى امتعاضه من الفكرة.

تم تعليق فكرة التبادل بالبلدات الأربع وبدلا من ذلك تم نقل السكان إلى مناطق آمنة، وسوف يتم حل مشكلة كل مدينة على حدة. لكن هذا وحده يتطلب تنسيقًا بين الفصائل المسلحة الموجودة في طرفي الحرب. ولعب المال دورًا كبيرًا في تسهيل هذه العقبات. كما أن حلفاء قطر من المعارضة السنية المسلحة لم يكونوا ليتوجهوا نحو عرض إيراني مقابل لا شيء.

يأس وتساؤلات قطرية
لكن مع مرور الشهور، لم تكن هناك فترة زمنية محددة لإطلاق سراح الرهائن. زاد اليأس لدى القطريين وتساءلوا حول ما إذا كانت إيران ستنفذ الاتفاق. وبدأوا في البحث عن طرق أخرى، ووصل مجموعة من الوسطاء إلى الدوحة لعرض الوساطة لإنقاذ الأمر في مقابل أموال كبيرة.

تحدث إليّ أحد المسئولين القطريين وقال “أتذكر قول أحد الإيرانيين: أستطيع إخراجهم مقابل 20 مليون دولار”.

ودفع أحد أفراد العائلة الحاكمة في قطر مبلغ 2 مليون دولار إلى شركة تحمل اسم “المجلس الدولي الاستراتيجي”، والتي يديرها رجل أعمال يوناني متخصص في بيع الأحذية. ولم يكن أي من ذلك مفيدًا.

غضب القطريون، وقال أحد الدبلوماسيين القطريين السابقين إنهم فكروا في حل عنيف: تدخل عسكري لتحرير الرهائن.

من المؤكد أن قطر لم تكن تعلم كيفية إخراجهم. والحقيقة أن الأمير تميم بن حمد كان تحت ضغط رهيب من مواطني قطر من أجل إعادة الرهائن إلى وطنهم.

واستغرق الأمر حوالي 16 شهرًا، حتى يعثر القطريون أخيرا على الرجل المناسب والذي يملك الاتصالات التي تساعد على إنهاء الصفقة. وحدث الأمر في مطلع أبريل 2017، خلال التجمع السنوي لوزارة الداخلية العرب، والذي أقيم ذلك العام في تونس. وتم تقديم الوزير القطري إلى نظيره العراقي قاسم الأعرجي. الرجل الذي تجمعه علاقات قوية بعالم المليشيات الشيعية. قضى الأعرجي، ذو الوجه المربع والبالغ من العمر 54 عامًا، سنوات عديدة في المنفى في إيران، وسُجن مرتين من قبل القوات الأمريكية في العراق قبل عقد للاشتباه في قيامه بتهريب وتوزيع الأسلحة لاستخدامها في مهاجمة القوات الأمريكية. ولكن أُفرج عنه لعدم وجود أدلة كافية.

قال الأعرجي إنه يعلم من لديه الرهائن، ولكنه لم يكشف عن هوية الجماعة التي تحتجزهم. واتضح فيما بعد أنهم كتائب حزب الله، وهو فصيل شيعي تأسس في العراق قبل أكثر من عقد من الزمان، وشن مئات الهجمات على الجنود الأمريكيين، ودربه وموله فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

قال الأعرجي إن لديه خطة لتحرير الرهائن، وفقا لمسؤول قطري رفيع المستوى تحدث معي، ولكنه اشترط شيء غير عادي. رغب الأعرجي في التوسط لإطلاق سراح الرهائن شخصيا، وطلب من نظيره القطري ألا يقول شيئا عن الأمر إلى أي مسؤول اخر في الحكومة العراقية-والتي تمتلئ بالانقسامات الطائفية والسياسات والأجندات المتنافسة-فوافق المسؤول القطري.

كان المال جزءا من الاتفاقية، كنوع من التحلية التي أضيفت إلى صفقة البلدات بلدات. وقال مسؤول قطري حضر الاتفاق الخاص بالصفقة إن الأموال كان من المقرر أن تستخدم في تمويل عملية إنشاء ميناء جديد وسفارة في بغداد. وبدا غير مرتاحا تمامًا، ثم أخبرني بأن هذه القصة بأكملها كانت غلافا شفافا لدفع فدية مادية كبيرة.

العبادي يتدخل
بعد أسبوع، وصل فريق المفاوضات القطري إلى بغداد حاملاً معه الـ 23 حقيبة. وسرعان ما اكتشفوا أن قاسم الأعرجي قد شدد قبضته على الحكومة العراقية (ومطار بغداد). وفي بغداد رأيت صورا التقطت في المساء تُظهر النقود المغطاة بالشرائط السوداء، والقطريين الغاضبين الذين يقفون في صالة كبار الزوار محاطين بحقائبهم السوداء.

عندما اكتشف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ما نوى القطريون فعله غضب بشدة، وقرر أنه سيتحدى إيران ووكلائها. وأرسل فريقا مسلحًا لمكافحة الإرهاب لحراسة الـ23 حقيبة، والتأكد من لا أحد سيوصل النقود إلى المختطفين. وبعد استسلام الفريق القطري، ذهب إلى بغداد، ونقل العبادي المال، في النهاية، إلى البنك المركزي العراقي.

انتقل القطريون من المطار إلى المنطقة الخضراء الآمنة في بغداد، حيث أقاموا في دار الضيافة التابع لرئيس الوزراء العراقي، وهو الشخص ذاته الذي احتجز الـ360 مليون دولار في المطار.

هدد تدخل العبادي بعرقلة الصفقة، والتي تم التخطيط لها بعناية في اجتماعات عُقدت لعدة أشهر في الدوحة. وكان من المفترض تسليم الـ23 حقيبة الممتلئة بالمال في نفس الوقت الذي ينفذ فيه حلفاء قطر المتمردين شروط اتفاقية الأربع بلدات. في نفس اليوم، كانت القوات السنية ترعى المدنيين الشيعة الذين تواجدوا في حافلات خضراء وسافروا معهم إلى حلب، حيث كان من المفترض أن يُنقلوا بمساعدة النظام السوري. وعلى بعد 200 ميل جنوبًا، كان مقاتلو حزب الله يستعدون لمرافقة آلاف الأشخاص خارج بلدتي مضايا والزبداني.

أبلغني مسؤول قطري بارز وأشخاص آخرين مقربين من الجماعات المتمردة بأن الـ360 مليون دولار لم تكن الأموال الوحيدة التي دفعتها قطر، لكن لتأمين عملية انتقال المواطنين دفعت الدوحة 50 مليون دولار على الأقل للمليشيات السنية.

قضى المبعوثون القطريون يومهم الأول في بغداد في إجراء المحادثات الهاتفية مع أشخاص يتواجدون على جبهتين. وكان عليهم مراقبة عملية نقل المدنيين الجارية في سوريا، وكانوا يائسين لاستعادة الـ23 حقيبة الممتلئة بملايين الدولارات. وجندوا كل شخص يعرفوه في العراق لمساعدتهم، بما في ذلك المليشيات الشيعية. ووصل بهم الأمر، بحسب مسؤولين عراقيين، إلى عرض الرشاوى على أي شخص بإمكانه مساعدتهم، وعرضوا تقديم مبالغ طائلة وشققًا فاخرة في الدوحة ودبي لضباط وأعضاء مجس الوزراء والقضاء عراقيين، إذا ساعدوهم، إلا أن جهودهم لم تفلح ولم تساعدهم على استعادة الـ360 مليون دولار.

انفجار
وقبل نهاية اليوم الأول، حدث شيء ما ألقى بظلاله على اتفاق البلدات الأربع، ففي حولي الساعة الثالثة والنصف ظهرًا، توقفت حافلات كانت تقل مدنيين من بلدتين شيعيتين، الفوعة وكفريا، عند نقطة تفتيش في منطقة تُدعى الراشدين، غرب حلب. وتحركت سيارة “هونداي” لونها أزرق غامق ووقفت بجانب إحدى الحافلات وانفجرت بعد لحظات.

وكان الانفجار قويًا بشكل غير عادي. وتظهر صور الحادث حافة خضراء وأخرى بيضاء أصبح لونها أسود، وتطاير زجاج نوافذها. وقيل إنه أودى بحياة 126 شخصا، معظمهم من الأشخاص الذين تم إجلاؤهم، ومن بينهم 68 طفلاً، وأصيب مئات. ولم يعرف أحد حتى الآن هوية منفذ الهجوم، ولكن من تحدثت إليهم أخبروني بأن الحادث كان يهدف إلى عرقلة صفقة البلدات الأربع، والتي اعتبرها الكثير من المتمردين والجماعات الجهادية بمثابة هدية لإيران.

كانت صور الحافلة التي اشتعلت فيها النيران بمثابة تذكير وحشي بأن صفقة البلدات الأربع لم تكن مجرد مفاوضات داخلية وحقائب مليئة بالمال. إذ اضطرت العائلات الموجودة في تلك القوافل إلى مغادرة منازلها. كان المسؤولون القطريون الذين تحدثت إليهم يعتقدون أنهم يشاركون في عملية إنقاذ إنسانية لإخراج ضحايا الحصار. وأخبرني بعض أعضاء جماعة أحرار الشام المتمردة الشيء ذاته. ولكن العديد من السوريين تعاملوا مع عمليات النقل على أنها نفي قسري، وجزء من الخطة التي أعدها الأجانب، وكانوا غاضبين بشدة. انطبق هذا بشكل خاص على مواطني البلدات السنية، مضايا والزبداني. وكان أغلب المواطنين مترددين في المغادرة بعد قضائهم سنوات طويلة في الحصار، والذي ترك مئات المدنيين يواجهون المجاعة وقناصة حزب الله.

أجريت محادثة عبر الفيديو مع مدني يُدعى علي سعيد، والذي خرج على مضض من بلدة مضايا. وهو يبلغ من العمر 52 عامًا، رجل صغير الحجم ولكن بنيانه مشدود، وأخبرني أن حصار حزب الله حول مضايا إلى معسكر قتال افتراضي. وقال: “كان الناس يأكلون من الطعام الجاف الذي خزنوه، ثم بدأوا في تناول أوراق الأشجار والأعشاب”. ثم أراني صور أطفاله، والذين توفي أحدهم بعد أن اصطاده أحد القناصة.

ولكن تكبر وغطرسة مخطط عمليات الانتقال كانت أكثر ما أغضبه وأكثر شيء تحدث عنه خلال المكالمة. فبعد أن علم سعيد بصفقة البلدات الأربع، واجه أحد قادة حزب الله عند نقطة تفتيش خارج مضايا مباشرة، وقال: “كنت مُستاءً، وقلت له جئتهم إلى هنا لترحيلنا، والسيطرة على أراضينا”، فرد عليه قائد حزب الله قائلا: “إذا كنت لا تريد الرحيل، فبإمكانك البقاء هنا والموت من الجوع”.

استمرت عمليات النقل بالرغم من القصف، وخلال أيام قليلة كانت صفقة البلدات اكتملت إلى حد كبير.

إطلاق المخطوفين
في إحدى الليالي في نفس الوقت تقريبا، خرج فريق التفاوض القطري من المنطقة الخضراء واستبدلوا السيارات أكثر من مرة في محاولة فاشلة كي لا يلفتوا أنظار المسؤولين العراقيين، حتى تمكنوا في نهاية الأمر من لقاء المليشيات الشيعية في حي الكرادة. وفي اجتماعهم، طلب القطريون دليلا يُثبت أن الرهائن ما زالوا على قيد الحياة، فشاهدوا مقطع فيديو حديث جدا لهم. ثم فجأة، جهزوا حقائبهم، وطلبوا من مضيفهم الحصول على إذن لمغادرة البلاد. وكانت الحقائب الـ23 في البنك العراقي. ولكن على ما يبدو أن القطريين وجدوا طريقة أخرى لتنفيذ مطالب الخاطفين.

بعد فترة قصيرة جدا، كان أبو محمد وغيره من أفراد الأسرة القطرية الحاكمة في قبو أحد السجون في جنوب بغداد، مندهشين من المعلومات التي أخبرهم بها الحراس، وسمح لهم بالاستحمام وقص شعرهم حتى يرحوا. نُقلوا إلى الطابق العلوي ولم تستطع أعينهم تحمل ضوء الشمس الذي حُرموا منه بعد قضائهم 16 شهرًا في قبو بلا نوافذ، عانوا فيها وأصاب الهزال أجسادهم بسبب قلة الطعام، إذ أمضوا النصف الأول من الحجز معزولين تماما عن العالم، ولم يستمعوا أي شيء إلا بعض الآيات القرآنية. ولاحقا، منحهم الحراس جهاز تلفزيون لمشاهدة الأخبار، وشاهدوا تقارير عن صفقة سياسية قيل إنها تُعد في سوريا، وتتضمن رهائن وتبادل سكان. وقال أبو محمد: “إننا اشتبهنا في أن هذه الصفقة لها علاقة بنا”.

نُقل الرجال إلى منزل، يبعد نحو ساعتين عن مكان احتجازهم، كان على ما يبدو مزرعة خاصة فاخرة، وانتظروا داخل عرفة انتظار كبيرة، وكان الرهائن الأخرين، الذين لا ينتمون للعائلة المالكة، محتجزين في أماكن منفصلة. واحتضن الرجال بعضهم البعض وبكوا بشدة، وتبادلوا القصص. واندهشوا عندما علموا أن المجموعة الأخرى المحتجزة يُعاملون بطريقة أفضل بكثير من أفراد اسرة آل ثاني، فحصلوا على طعام كافي، وسُمح لهم بالاستحمام، وتعامل الحراس معهم باحترام.

على مدى اليومين التاليين، تعامل الخاطفون مع أبناء أسرة آل ثاني كالملوك، وتردد عليهم الخدم وخاطبوهم بلطف شديد. وقدموا لهم الوجبات الدسمة، وبعد أن كانوا يتناولون الأرز والشوربة أصبحوا يتناولون “المسقوف” وهو طبق عراقي تقليدي يُعد من السمك المشوي بتوابل خاصة. في أحد الأيام قُدم لهم خروف كامل مشوي. وأكد لهم القائمون على حجزهم مرارا وتكرارا أنهم “ضيوفهم” واعتذروا لهم على إساءة معاملتهم لهم في وقت سابق. وفي صباح يوم 21 أبريل، نُقل الرهائن القطريون إلى بغداد، وحضروا حفل وداع أقيم لهم في وزارة الاستخبارات قبل أن يذهبوا إلى المطار.

أخبرني أبو محمد أنه وباقي الرهائن خافوا من حدوث أي عقبة في طريقهم. وقال لي: “شعرنا بالارتياح التام عندما أقلعت الطائرة، فكان الأمر أشبه بالحلم. شعور بالسعادة”. وكانت الرحلة التي استغرقت ساعتين إلى الدوحة مليئة بالضحك والمزاح بين الرجال. وانتظرهم أقاربهم في المطار. إلا أن صدمتهم من وضع الرجال قلل من سعادتهم، كانوا يعانون من هزال حتى أن عيونهم كانت غائرة في وجوههم. خسر أبو محمد أكثر من 18 كيلوجرام من وزنه. ولكن أمير قطر كان هناك أيضا، وقبّلهم جميعا، والدموع في عينيه، عندما خرجوا من الطائرة.

وبعد حوالي سنة، ما يزال تأثير صفقة الفدية القطرية موجودًا، ويمتد من الدوحة إلى واشنطن. والبلدات السورية الأربع أصبحت خالية تماما تقريبا-فهناك مئات قليلة مازالت مُصرّة على البقاء في المدن الشيعية في الشمال، وهناك أعداد قليلة في مضايا والزبداني. وتستأنف الجماعات الجهادية المتمردة في سوريا معاركها. ويبدو أن الصفقة عمقت الفجوة بين المقاتلين والأشخاص الذين ادعوا أنهم يمثلونهم. أخبرني علي سعيد، الذي أُجبر على الخروج من مضايا، أن مشاركة المليشيات في خطة ترحيل المواطنين قسرا من منازلهم يُنظر إليه على أنه خيانة للثورة السورية. ويقول: “الله يهلكهم”.

المقاطعة القطرية

لكن التأثير الأقوى للصفقة ظهر هناك في الخليج. فالسعوديون والإماراتيون الذين أعربوا عن استيائهم لاحتضان قطر للإخوان المسلمين، غضبوا من التقارير الواردة بشأن دفع القطرين مبالغ طائلة للمليشيات الشيعية. وفي 5 يونيو، فرضوا حصارا اقتصاديا كاملا عليها، وأصدروا قائمة طلبات تضمنت إغلاق قناة الجزيرة، والقاعدة العسكرية التركية، وكانت صفقة الفدية ذريعة جيدة ومفيدة للدول المقاطعة لقطر.

وكانت الحملة المعادية لقطر خليطًا من الادعاءات الحقيقية والكاذبة والمشكوك فيها، والتي عمدت إلى تشويه الحقائق الخاصة بصفقة الفدية، وإجبار قطر على دعم وتمويل الجماعات الإسلامية المتمردة.

لكن كان لها تأثيرا فعالا على شخص مُهم جدا، وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرغم جهود وزير خارجيته ريكس تيلرسون (الذي أقيل قبل أيام) لإصلاح الخلاف بين حلفاء أمريكا في الخليج، قوّض ترامب جهوده بشكل علني، وأوضح أنه منحاز تمام لأصدقائه الجدد (السعوديون).

أصيب تيلرسون بالإحباط بسبب تدخل ترامب وصهره ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط جاريد كوشنر، والذي أفادت تقارير بأنه كان السبب في تهديده بالاستقالة الصيف الماضي. واقنعه وزير الدفاع جيمس ماتيس وجون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض، بالبقاء في منصبه. حاول تيلرسون إنهاء الحصار مرة أخرى خلال زيارته إلى الخليج في أكتوبر الماضي، ولكنه لم يستطع فعل شيء.

ما هو مقدار اللوم الذي تستحقه قطر مقابل كل هذا الحطام؟ لقد تورطت في دفع فدية تُقدر بلايين الدولارات لتحرير أسرى تنظيم القاعدة من قبل، من بينهم امرأة سويسرية كانت محتجزة في اليمن عام 2013. وتم تحرير صديقي ثيو بادنوس، الذي كتب عن محنة اختطافه لنيويورك تايمز (المجلة)، من خلال الوساطة القطرية، وربما المال القطري.

إذا كانت قطر دفعت بالفعل 400 مليون دولار لكتائب حزب الله، وهي الجماعة التي صفنتها الولايات المتحدة جماعة إرهابية، فسيلطخ ذلك يدها بالمزيد من الدماء. وعلاوة على ذلك، فإذا كان المال دُفع من خلال بيروت، فسيكون من المنصف افتراض أن حزب الله الشيعي اللبناني تلقى جزءً من المبلغ. وأن الـ50 مليون دولار التي حصلت عليها جبهة النصرة (جماعة أخرى على قائمة الإرهاب)، وأحرار الشام ستثير الانزعاج أيضا، رغم أن تلك الجماعات تشكل تهديدا على نظام الأسد وحلفائه وليس دول الغرب.

لكن في النهاية، يبدو كما لو أن القطريين أقل شرَا وأكثر سذاجة، فالأموال التي حصلوا عليها من النفط خدرتهم، وأصابتهم بالعمى من عواقبها الكارثية. وألقوا الأموال حولهم باذلين جهود خرقاء للتلاعب بسياسات المنطقة المضطربة، ثم اكتشفوا أن الموقف انقلب عليهم.

أخبرني أحد المسؤولين القطريين الذين شاركوا في عملية الخطف، بنظرة مليئة بالأسى:” الناس يتهموننا بالعمل مع حزب الله، لكن انظروا ماذا فعلوا بنا”.

لماذا المخاطرة؟
كان أخر شيء يثير الغموض في قصة الفدية، هو السبب الذي دفع الصيادين إلى الذهاب إلى جنوب العراق، رغم أنهم يعرفون مدى خطورة الوضع هناك. فمجموعة كبيرة مثلهم، يوزعون الهدايا والأموال على البدو المحليين ويقوموا بالتخييم برفاهية، يعتبروا غنيمة سهلة للمليشيات الشيعة.

وتم تحذير الصيادين من ذلك قبل الذهاب إلى هناك، حتى من قبل حكومتهم. وجاء التحذير الأخير قبل يوم واحد قبل الاختطاف، عندما اكتشفت قوات الأمن القطرية أن مدونا عراقيا نشر المعلومات الخاصة بنظام تحديد المواقع (GPS)للصيادين على شبكات الإنترنت.

وعندما تحدثت إلى أبو محمد، أكد أنهم حُذروا أكثر من مرة. وقال: “قبل الرحلة قال لي الجميع أنت مجنون لا تذهب، أمي، وأصدقائي، وأخوتي”.

لكن لماذا المخاطرة؟ سألت أبو محمد في المجلس الذي يخص عمّه في الدوحة، والمكون من مجموعة من المقاعد الصفراء التي تشبه العرش والمصفوفة إلى جانب بعضها البعض، في غرفة مغلقة، حيث يأتي خادم بين فترة وأخرى لكي يملأ أكوابنا بالشاي

من النادر جدا أن يلتقي صحفيون غربيون مع أفراد من أسرة آل ثاني خارج سياق اللقاء الحكومي. يُعرف عن القطريين تحفظهم وحرصهم على خصوصيتهم. ويبدو احترامهم واضح في سلوكهم الهادئ، والطريقة التي يمشون بها، وكأنهم يطوفون- والتي يلاحظها الأجانب في الكثير من الأحيان-. كان أبو محمد منتصبا وهادئا، ونادرا ما تحرك طوال فترة حديثنا، والذي دام قرابة ثلاث ساعات.

توقف أبو محمد عن الإجابة على أسئلتي، وبدأ في توضيح ماذا تعني رياضة اصطياد الصقور بالنسبة لجيله. وقال: “أنت بعيد عن الهواتف، والعمل”. وأضاف: “تكون مع الطبيعة. تشعر بالحرية”. كما أن للأمر بعدا ثقافيا. نظر من النافذة، حيث يمكن رؤية ناطحات السحاب والمراكز التجارية الفارهة في الدوحة.

عندما ولد أبو محمد، عام 1978، لم يكن كل هذا موجود. تظهر صور ذلك الوقت صحراء جرداء خالية، مع مباني متهالكة على أطرافها، وكانت هذه الأيام يُنظر إلى قطر على أنها موقع بعيد للغطس من أجل الحصول على اللؤلؤ.

وبحلول الوقت الذي بلغ فيه سن الرشد، حولت أرباح الغاز الطبيعي قطر من الداخل والخارج. يفوق عدد العمال الأجانب في البلد عدد المواطنين، ولا يمكن معرفة ثقافتهم، والتي كانت يومًا ما نابعة من الادخار والاعتماد على الذات.

تشتكي العائلات في الخليج بشكل روتيني من أن شبابها يندفعون نحو عالم استهلاكي مليء بالمتعة. والكثير منهم قادر على شراء سيارات لامبورجيني بسهولة، ولكنهم غير قادرين على الحفاظ على وظائف ثابتة. ويرى صائد الطيور، أبو محمد، أن هذه الرياضة علاج للعنة دول الخليج. فتدريب الطائر بمثابة حبس احتياطي، ويفرض على الشخص الانضباط الذاتي، والذي ينقص حياة هؤلاء الرجال.

هناك ساعات عديدة من الصبر والعمل المتكرر باستخدام القفازات والإغواء التي تشكل علاقة بين الطيور والبشر: الطائر يدربك، هكذا يقول الصيادون الكبار. كل هذا يثير عاطفتك وشغفك. فتتجاهل المخاطر بسهولة. المال-حتى المبالغ الطائلة -يبدو بلا معنى. أخبرني أبو محمد إنه كان يخطط للقيام برحلات إلى الصحراء لملاحقة طائر الحُبَارَى، رغم خطورة الأمر.

وقال أبو محمد “صيد الصقور إدمان مثل المخدرات”، ثم قال مبتسما “أنها رياضة الملوك.”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*