الرئيسية » أخبار عربية » عزيزي الرَّجُل.. مبروك أنت حامل

عزيزي الرَّجُل.. مبروك أنت حامل

د. براءة جاسم – نمساوى
“نفسي غامة عليا وحاسة إني…”.. البطلة تركض إلى الحمام لتتقيأ أو “نفسي آكل كذا”… إلخ. تلك الجُملُ من كلاسيكيات السينما، والتي دائمًا ما يتبعُها ذلك السؤالُ التقليدي: “هو أنتِ… ؟!”، “أنا حامل” أو “مبروك المدام حامل”… إلخ. يعرفُ مُعظمُنا أعراضَ الحملِ لدى النساء، حتى أولئك اللائن لم يَمْررن بهذه التجرِبة، ولكن تُرَى هل سيأتي اليومُ الذي نسمعُ فيه رجلًا يقول: “نفسي غامة عليا وحاسس إني حرجع؟”.

دائمًا ما يُتَّهَمُ الرجلُ بأنَّ تواصلَه مع الجنينِ لا يبدأُ إلَّا بعدَ ولادتِه، أو بأنه لا يقدِّرُ ما تمرُّ بِه زوجتُهُ أثناءَ الحملِ من أعراضٍ ومتاعبَ ومعاناةٍ حقيقية، وذلك عكسُ الأمّ التي تحملُ جنينَها في رحمِها ما يُقاربُ تسعةَ أشهر تتحمّلُ فيها الكثير، وربّما يكون هذا الاتهامُ صحيحًا إلى حدٍ ما، ولكن ما لا يعرفُهُ الكثيرونَ أنَّ الرجلَ أيضًا يمكنُ أن يعاني ويمرَّ بنفسِ أعراضِ حملِ زوجتِه كالدوارِ والرّغبةِ في القيْء وآلامِ الظهر وما يُسمّى بـ”الوَحَم” وزيادةِ الوزن، وربما يصلُ الأمرُ إلى تغيُّرٍ بسيطٍ في حجمِ الصدرِ، والشعورِ بآلام الطلقِ والولادة، وهو ما يعرفُ باسم (sympathy pain)، وغير ذلك من أعراضٍ، وتُسمَّى هذه الظاهرةُ باسم “كوفيد”، فترتفعُ لديهِ نسبةُ الكورتيزول والبرولاكتين وتنخفضُ نسبةُ هُرمون التيستسرون (هرمون الذكورة)، وعادةً ما تُفسَّرُ الأعراضُ السابقة بأنَّه مصابٌ بإرهاق، أو بداياتُ أنفلونزا، أو تعبٌ من أي نوع، فلا يربطُ أحدٌ بين ما يحدُثُ للرّجلِ من تغيُّراتٍ بيولوجيّةٍ ونفسيّةٍ وبين حَملِ زوجتِه.

ولتفسيرِ هذه الظاهرةِ من الناحيةِ النفسية باختلافِ مداخلِها، أذكر- على سبيلِ المثال- أنَّ إحدى وجهاتِ النَّظرِ النفسيّةِ تركّزُ على أنَّ تلك التغيّرات التي تطرأ على الرجل نفسيًا وهرمونيًّا تنبُعُ من غيرَتِهِ وشعورِه بمنافس له قادم إلى هذا العالم، كذلك نجدُ المدرسةَ النفسيةَ الاجتماعيةَ التي تُرجعُ التفسير إلى شعورِ الرجل في أثناءِ فترةِ حملِ الزوجة بأنه مُهمّشٌ أو لم يعدْ يتمتَّعُ بنفسِ القدرِ من الاهتمام.

نخلُصُ من ذلك إلى أنَّ هناك أعراضًا جسديّةً تحدُثُ للرجلِ أيضًا علينا ألَّا نغفلَها حتى لا نظلمَ الرجل باتهامِه بعدم معايشته لحالة زوجته وحتى لا يتأثر الرجلُ سلبًا بهذا الاتهام، وإنما علينا أن نعترفَ بأن الأمرَ يخصُّ كلا الزوجين ويؤثرُ فيهما معًا وإن اختلفت نسبة تأثّر كل جنسٍ لطبيعته، هذه حقيقةٌ جعلتِ الرجالَ في الغرب يستعيضونَ عن جملة “فلانة حامل” بـ”نحنُ حاملان” عندمَا يخبرُ الزوجُ أحدًا بخبر حملِ زوجتِه، وهو تعبيرٌ ينُمُّ عن إيمانِهِما بأنَّهما جزءٌ واحد وأن المرحلةَ التي سيقبِلان عليها كآباء تتطلبُ استعدادًا خاصًا من كليهما حتى يأخذَ كلٌّ منهما دورَهُ.

في المقالِ القادمِ سوفَ نرى كيفَ أنَّ ظاهرةَ “كوفيد” لدى الرجالِ لا تتوقّفُ فقط عند فترةِ الحملِ لدى زوجاتِهم، وإنَّما قد تمتد إلى ما بعدَ ذلكَ لتبدأَ مرحلةُ اكتئابِ ما بعد الولادة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*