الرئيسية » أخبار الجاليات » من النمسا. أبناء ولكن جبناء

من النمسا. أبناء ولكن جبناء

من فضلك ابو كريم ( اريدالتحدث معك بأسرع وقت )
هذه هى نص الرسالة التى وصلتنى على الموبيل من رقم غير مسجل طرفى.

وفى هذه الحالة لم أتردد يوما عن الأتصال بمن يطلب المساعدة أو الحديث معى فى مشكلة خاصة.
أتصلت على الفور بالرقم الظاهر عندى

جاءنى صوت سيدة ضعيف متقطع. تصلنى أنفاسها أقوى من صوتها.
رحبت بها وأنا اشعر بحمل وهم ثقيل وراء صوتها الذى أكاد أسمعه بصعوبة. تفضلى يا أختى أو أبنتى: معكى أبو كريم.

أنتظرت لحظات معتقدا أنها كانت تستجمع قوتها للحديث. ولكنها قالت لى أنها لم تكن تعتقد سرعة استجابتى لرسالتها. ولذالك هى تريد أن ترتب كلماتها وقصتها.

كانت تتحدث بهدؤ شديد. كانت تبكى بالدموع ولكن صوتها كان أقوى من الدموع. نبرة حزينة مؤلمة. أشعر من خلال صوتها بجرح بل بجروح عميقة تنفجر منها الدماء فى وجهى.

نعم وجدت نفسى أنا من يحاول أمتصاص مشاكل وعصبية وغضب الناس؟ وجدت أننى اريد من يمتص انفعالى مع صوتها وجرحها الذى شعرت به قبل تتحدث او تنطق بكلمة عن مشكلتها.

قلت لها بهدؤ مصطنعا منى. كان لابد أن اسيطر على انفعالاتى واحاسيسى ومشاعرى. حتى لاتهتز أكثر مما هى مهتزة ومضطربة.

قلت لها لو انكى غير مستعدة للكلام فأرجو منكى ان ترتاحى ونؤجل الحديث فيما بعد؟
قالت سوف أتحدث اليوم. سامحنى فأنا نائمة طوال اليوم بفعل فاعل وليس لحاجتى للنوم.

قلت هاتى ماعندك ولن أقاطعك فى الحديث حتى تخرجى همك الثقيل الذى أشعر به من بعيد. تفضلى:

قالت:
أرملة وعندى من الأبناء ثلاثة .. ولد وبنتين. نعم فلقد رحل حبيب العمر .. رحل من كان الهواء والماء والدواء. رحل الزوج والأخ والأب والسند.
رحل ورحل معه كل شئ حلو .. رحلت معه الضحكة والسعادة .. رحلت معه الحياه بكل معانيها.
أبدا لم يكن زوجى فقط بل كان الحياة بكل ماتعنيه الكلمة.

بعد رحيله وجدت نفسى أنسانة غير مرغوبة من كل من حولى. أغلقت الأبواب امامى ..

لأننى ارملة .. قد أسطو على زوج صديقتى أو جيرانى.
وجدت نفسى أجلس بيين جدران منزلى الصغير. بل اننى وجدت غرفة نومى هى بيتى وحدوده

واعتبرت ان كل ماهو خارج غرفتى لايمت لى بصلة.
حتى أبنائى لم يشعرو بى .. او بموت ابيهم؟ الحزن عندهم لم يتعدى اسبوع على والدهم. ورحل حزنهم وأندفن كما أندفن حبيب العمر.
قد تقول ماهى علاقتك بهم قبل موت الحبيب؟
كانت علاقة الأم التى تحترق كل يوم من أجل أسعادهم جميعا. كنت لا أستطيع الأكل سوى بهم ومعهم. كنت الأم والخادمة التى تقوم بدورها على أكمل وجه.
كنت المفتاح السحرى لكل مشاكلهم. فلقد كان زوجى يعمل طوال النهار من أجلنا وتحملت مسؤولية تربيتهم وزوجى من خلفى يراقب ويحنو ويعطف ويلبى كل طلباتنا. ابدا لم يتأخر يوما عليينا بشئ.

طالت حبستى فى غرفتى بعد رحيل زوجى لأسابيع وشهور. وجدت نفسى أتحدث مع زوجى يوميا أتخيل كل شئ وكل كلمة قالها لى يوما ضحكته صوته.. بدأت حالتى هذه تتزايد مع مرور الوقت.
بدا ابنائى يسمعون بكائى وضحكتى من خلف باب الغرفة. كنت أسمعهم يتهامسون يتحدثون. كانت تصلنى بعض كلماتهم وتمزقنى من داخلى.
كانت كلماتهم خنجر وسيف وسكين تغرز داخل جسدى. ماما أتجننت. بل كنت أسمع ضحكاتهم وأستهزائهم بما يصدر منى من بكاء وكلام وأنا وحيدة بغرفتى.
لم يفكر أحد منهم أن يتحدث معى ولكنهم كانو مشغوليين فى اللعنة التى أصابت العالم من اجهزة الكومبيوتر والبلاى أستيشن. يجلسون أمامهم ساعات طويلة. فلقد اصبح البيت بلا رقيب او كبير بعد ممات زوجى . وأنهيارى.
كنت أشعر بذالك عندما أخرج من غرفتى فى طريقى للحمام أو للمطبخ كنت أنظر ولا أتكلم.
كنت أقوم بواجباتى كأم معهم ولكن بلا أحساس وبلا قلب. فلقد تجمدت مشاعرى وأحاسيسى. دفنت كل مشاعرى فى قبر زوجى.
لم أكن أعرف أننى احبه لهذه الدرجة. لم أكن أعرف أننى اعشقه. اعشق صوته وأنفاسه وكلماته وهمساته وخطواته وغضبه وسعادته.
نعم. قلت لك انه كان الحياة بالنسبة لى.

المشكلة هى أننى كنت عندما أدخل غرفة النوم أتخيله نائما فى مكانه اضع يدى على راسه لكى يستيقظ. أتحدث معه فلا يرد. وفجأة أجدنى أضحك بشكل هيسترى ثم أبكى عندما أتذكر أنه فارق الحياة.
نعم فى هذا المكان وفى هذا السرير وعلى هذه المخدة أستيقظت من النوم لأجده بلاحراك وجدته مقطوع النفس. لانبض. ولاحياة. لاكلمة ولا مواساة. مات الحبيب. مات العشيق والزوج. نعم مات.

كان هذا الموقف أتخيله كثيرا ويتكرر معى كثيرا بكاء وضحكات وصراخ بشكل خارج عن ارادتى. حتى جاء هذا اليوم الذى شعرت فيه بأبنائى يتلصصون خلف الباب على مايصدر منى من كلمات وصراخ وضحك.

فتحت الباب مسرعة وجدتهم فى وجهى صرخت فيهم بصوت عالى. . أتركونى فى حالى أبتعدو عنى .. اريد ان أكون وحدى..  لا أريد أن أراكم.
وجائنى الرد كطلقة الرصاص.. ومن من؟ من أبنتى. قالتى لى بصوت لم ولن أنساه مادمت حية.

بالشكل ده ياماما أنتى اتجننتى رسمى .. بلاش قرف وكفاية لحد كده.
لم أشعر بنفسى عندما رفعت يدى لأعلى وعلى وجهها كان كف يدى بكل قوة. وأخذت أقذف كل شئ تطوله يدى عليها حتى انجرحت يدى جرح ليس بالكبير ولكن كان هذا كفيلا بان تتساقط الدماء بشكل غزير بالمكان.

هربت ابنتى من أمامى هى وأخوتها..  أغلقو باب غرفتهم ولم أسمع لهم صوتا بعدها.

ذهبت الى غرفتى وأنا أبكى بكاءا مريرا. كيف تجرات أبنتى الكبيرة على ان تقول لى هذا الكلام. كيف .. كيف
لم اشعر بنفسى سوى على صوت طرقات على باب غرفتى. ترجلت من سريرى وأنا متلهفة أن أسمع كلمة أنا أسفة من أبنتى وأحتضان أبنائى لى.
ولكن كان هذا وهم من أوهامى وخيالى.

فتحت الباب فوجدت بالفعل أبنائى ولكنهم ليسو وحدهم. فلقد كان معهم طبيب وبعض من رجال الأسعاف.
تحدث معى أبنى وقال لى ان الطبيب قد حضر للكشف على الجرح الذى حدث بيدى.

تحدث معى الطبيب وهو يرجونى ان أسمح له بان يرى يدى.
وضعت يدى أمامه وهو ممسكا بها. وكان يوجه لى عدة اسئلة وانا أرد عليه بدون شعور او تفكير فلقد كنت فى حالة لاتسمح لى حتى بالكلام ولا أعرف حتى ماهو نوع الحديث الذى دار بييننا.

بعد فحص يدى طلب الطبيب منى ان اذهب معه للمستشفى لأن جرحى يحتاج للخياطة لأنه عميق ولن يلتئم بدون خياطة.
كنت مسلوبة الأرادة مطيعة للطبيب بشكل غريب.

أرتديت ملابسى وخرجت مع الطبيب ورفضت ان انام على النقالة الخاصة بسيارة الأسعاف وفضلت الجلوس داخل السيارة.

أنطلقت سيارة الأسعاف تشق طريقها وسط صمت رهيب داخل السيارة.
أخيرا بدأت السيارة فى الدخول الى منحنى المستشفى بعد أن سمعت رجل الأسعاف يعلن الوصول
توقفت السيارة تماما أمام المدخل ونزلت من السيارة بمساعدتهم. وهنا لاحظت أنه لايوجد احد من أبنائى معى.
دخلت للطبيب الذى كان فى أنتظارى وجلست أمامه وأنا لا أعرف لماذا كنت خائفة جدا منه؟ فطلبت منه ان اتصل بأحد من أبنائى ليكون معى
فجائنى رده سريعا. أن أبنائك يعرفون أنكى هنا ويعلمون ايضا اننا سوف نستضيفك عدة ايام عندنا.
انتبهت للكلمة التى قالها. عدة ايام؟؟ لماذا هذا مجرد جرح بسيط.. أرجو عمل اللازم .. ثم دعونى أعود لمنزلى؟
وكان رده اسرع
ياسيدتى هذه مستشفى الأمراض العقلية.
وقد وصلنا بلاغ من أبنائك بحالتك ونحن نريد مساعدتك هنا.
لم اصدق ماسمعت .. أبنائى وضعونى بمستشفى الأمراض العقلية .. الأن فهمت لماذا لم يأتو معى؟؟

كانت كلماته كفيلة لكى أسقط على الأرض وأشعر بوغز ابرة تنتهك جسدى الضعيف لأذهب فى نوم عميق

ماذا حدث.. ولماذا .. هذا هو الجزء الثانى من أبناء ولكن جبناء

محمد أبو كريم صحيفة نمساوى
تليفون 069918100834