أخبار عاجلة
الرئيسية / Slider / الساسة ونباتات الظل

الساسة ونباتات الظل

هذا المقال كتبته في فبراير 2014:
بقلم حسن بارود
ذات يوم في صيف 1999 طلبني الدكتور مصطفى الفقي، سفير مصر الأسبق لدى النمسا، على الهاتف، وسألني عما كنت أفعل، فأجبت بأنني أقرأ الصحف النمساوية، فطلب مني أن أتوجه إليه في مكتبه، فتركت مكتبي وما كان بين يدي وتوجهت إلى مكتب السفير، فإذا به يناولني بضعة ورقات عليها مقال له بعنوان “الخيل والبغال والحمير!”، كان قد انتهى لتوّه من كتابته ويفكر في إرساله إلى صحيفة الأهرام لتنشره، قرأت عنوان المقال واتجهت بنظري إلى السفير، الذي بادرني بقوله:” اقرأه أولا، ثم قل رأيك!”.
قرأت المقال وقلت:” لن ينشر الأهرام هذا المقال، إن كان يريد لك خيرا، أما إذا أراد التخلص منك ككاتب وكسياسي، فسينشره”!
سألني السفير:” ولماذا؟!، فأجبت لأن في المقال إسقاطا على كل المسئولين في مصر، فقد ربطت بين أدائهم لمسئولياتهم وصفات الخيل أو البغال أو الحمير، فالحصان يتسم بالأصالة والكبرياء مع بهاء الطلعة وارتفاع المكانة، وقدرة على الدخول في منافسات ومسابقات، أما البغل الذي هو هجين بين الخيل والحمير، فقد يكون قويا وقادرا على حمل أو جر أثقال، وهي صفات اكتسبها من أبيه الحصان، ولكنه لن يستغني في نفس الوقت عن صفات أمه “الحمارة” كالغباء والبرود وتحمل المذلة والمشقة.
أضفت: ” صحيح أن حضرتك اتخذت الآية الثامنة الكريمة من سورة النحل: ” والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون”، كفكرة رئيسية للمقال، ولكن كل من على رأسه “بطحة” من المسئولين في مصر سيرى نفسه واحدا من تلك الحيوانات ، حتى الذين يرون في أنفسهم خيلا لن يكونوا راضين عن وصفهم بها، لأنهم سيرون أنفسهم “مركوبين” من رؤسائهم، أو كقطع الزينة لتجميل صورة النظام الحاكم، ناهيك عن غضب أولئك من البغال والحمير، لتدني مكانتهم في عالم الحيوان، وعالم السياسة على حد سواء”!
بعد مناقشة مستفيضة للمقال لم تخل من الفكاهة، قرر الدكتور الفقي أن يؤجل إرسال المقال إلى الأهرام، حتى عاد إلى أرض الوطن في سبتمبر من نفس العام، ثم نشر بعد ذلك بعدة شهور، لكن ربما بعد تعديلات “تجميلية طفيفة” خففت من إسقاطات سياسية مباشرة مع بقاء الفكرة الرئيسية للمقال وهي مقارنة سلوكيات وتصرفات البشر بالحيوانات الثلاثة التي تنتمي إلى سلالة واحدة كما كان المسئولون والسياسيون ينتمون آنذاك إلى حزب سياسيي واحد هيمن على الحياة السياسية في مصر.
لم أكن أدري أن المصريين سيضيفون بعد أحداث يناير 2011، ويونيو 2013 صنفا آخر من الحيوانات وهو الخراف إلى قائمة توصيف السياسيين في مصر، ولكن من يعرف المصريين لا يستغرب قدرتهم على الابتكار في بعض الأمور!
أما الآن وبعد متابعة دقيقة لتدفق وتتابع الأحداث والمواقف في مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية، رأيت أن أتجنب إقحام الحيوانات في الشأن السياسي المصري، وفضلت أن أبحث في عالم النبات عن متشابهات لشخصيات سياسية مصرية معاصرة دون أن أذكر أيا منها باسمه.
هناك أصناف من النباتات تسمى نباتات الظل، تنمو وتزدهر في أماكن مغلقة، لكنها لا تخلو من الضوء اللازم لنموها، ولا تتعرض فيه مباشرة لحرارة الشمس وتقلبات الطقس من عواصف ورياح وأمطار ورعد وبرق. وفي العادة توضع هذه النباتات في المكاتب ومداخل وغرف البيوت والشركات والمصالح العامة لإضفاء مسحة جمالية على المكان، وزيادة نسبة الأكسجين في تلك الأماكن، لكنها تذبل وتحترق إذا تعرضت للظروف الجوية والمناخية الطبيعية خارج تلك الغرف المغلقة.
وجه الشبه هنا بين نباتات الظل وبعض المشتغلين بالسياسة واضح وجلي، لأن الاشتغال بالسياسة لا يمكن أن ينجح داخل غرف مغلقة ومكيفة، وإنما يتطلب تعرض صاحبه لكل ظواهر المناخ الاجتماعي والسياسي بما يواجهه من مشاكل تستلزم حلولا، يحتاج تنفيذها إلى رؤية وبصيرة وجلد وقوة وقدرة على التنفيذ، وكذلك مهارة في تسويق السياسات لدى الجماهير. فالسياسة إذن هي فن القدرة على الحكم، والحكم يتطلب من الساعي إليه مواصفات تؤهله لتحمل مسئولية ومشقة العمل العام.
لذلك لم أفاجأ بفشل كثير من المسئولين في مصر خلال السنوات الثلاث الماضية، فقد كانت مهارات معظمهم منحصرة في التنظير اللفظي، سواء من خلال الحديث في الفضائيات أو نشر مقالات في الصحف، دون القدرة على الصمود في معترك العمل على الأرض، والنتيجة الحتمية لهذا العجز ستكون المطاردة والملاحقة الشعبية لهذا أو ذاك “المسئول الطّري”من خلال توجيه الانتقادات اللاذعة التي لا تخلو في كثير من الأحيان من قسوة وسخرية تربك وتحبط من يتعرض لها، بل “تحرقه سياسيا. والأمثلة كثيرة لا حاجة إلى طرحها مرة أخرى.
إن المتابع لسلوكيات وتصرفات “النخبة المصرية”، سياسية كانت أو إعلامية، أو حتى دينية، يجد أن كثيرا من أولئك المتصدرين للمشهد السياسي والإعلامي والدعوي في أغلبهم الأعم، ليسوا سوى نباتات ظل تنمو وتترعرع إمّا في غرف الفضائيات الظليلة، أو على أرائك الزوايا، والمساجد الطائفية، حيث يحصلون في الاستديوهات على ما يحتاجون من ضوء “صناعي” عبر أجهزة الإضاءة الساطعة لتلميع صورهم، وتبديد الظلمة التي تلف وجوههم وعقولهم، أو بالألقاب الدينية التي رخص ثمنها وهانت قيمتها بين الناس، بما يرددون من عبارات متورمة، ويتشدقون بألفاظ لا تغني من فقر ولا تشبع من جوع، أو في مقار أحزابهم الهزيلة – وإن كانت مكيفة ولا تدخلها الشمس- لأن وجوه أولئك الساسة وعقولهم تكاد تنصهر إذا تعرضت لأشعة الشمس وحرارتها، كما يخشون على بشرتهم من الاسمرار، لأنهم يحرصون على الظهور بوجوه شاحبة لا لون لها، حيث يفضل أغلب المصريين ذوي البشرة الفاتحة، تماما كما يفضل الناس نضارة نباتات الزينة، طالما بقيت في الظل داخل الغرف، أما إذا وضعت في الخلاء، فستحترق أوراقها وتتساقط زهورها، وتذبل سيقانها ويكون الفناء مآلها.
هذا في الأغلب الأعم هو حال من يتصدى للعمل السياسي والإعلامي أو الديني في مصر عبر وسائل الإعلام المختلفة، حيث يظنون- وأغلب ظنهم إثم- أن الإعلام كفيل بصناعة السياسة، وترسيخ العقيدة في نفوس وقلوب وعقول المصريين. أي أننا أمام أصناف من البشر لا تختلف كثيرا عن نباتات الظل القابعة خلف جدران بعيدة عن كل ما يؤثر عليها من مناخ خارج تلك الجدران.
ولمزيد من الإيضاح تعالوا نقيّم أحزاب مصر، فلن نجد سوى هياكل رقيقة البنية لا تقدر على الانخراط في مشاكل المصريين اليومية من بطالة وتدني في مستويات خدمات التعليم والصحة، والمواصلات العامة، وارتفاع أسعار كل ما يحتاجه البيت المصري من متطلبات حياته، ناهيك عن الاختناقات التي يعاني منها المصريون نتيجة للعجز في مواد الطاقة، وارتفاع نسبة التضخم، واستمرار غياب الأمن والأمان في الشارع المصري البائس.
أين الأحزاب المصرية مدنية كانت أو دينية من تبني مبادرات لحل أزمات ومشاكل المصريين على أرض الواقع وبعيدا عن منابر الزعيق والصراخ المختلفة؟
لقد جرب كثير من المتأسلمين طوال العقود الماضية التقرب من الجماهير بتوزيع السلع الغذائية على الفقراء وذوي الحاجة، كصورة من صور الزكاة، أو الصدقات، لكنهم لم ينفذوا مشروعا واحدا لتشغيل العاطلين من غير أتباعهم، وإنما سعوا إلى احتكار كل ما يعود عليهم وعلى تنظيماتهم بالنفع، وركزوا فتاواهم وأحكامهم على الحلال والحرام من وجهة نظرهم المتعصبة والمتشددة، ليحيلوا حياة المصريين إلى جحيم خنادق التعصب والتشدد، واغتصاب الدين وليّ ذراعه لخدمة منهجهم الأعور الساعي إلى تكفير من يخالفهم، وتقزيم من ينتقد سلوكهم.
لقد اكتفوا بالبقاء داخل جدران أفكارهم المنغلقة، التي لا ترى الدين إلا في ظلمة القبور بعد الموت ويوم القيامة عند البعث، مع أن شمس الدين تسطع للدنيا أيضا حيث كلّف الله الإنسان بأن يسعى في دنياه كما يسعى لآخرته.
لم يفكر المتأسلمون في طرح سياسة لتطوير وتحديث حياة المصريين، بقدر ما يهدرون من وقت وجهد في ترهيبهم من كل ما هو جديد وحديث يحقق الرخاء والازدهار والتقدم لشعب بلادهم، لتتبوأ مصر المكانة التي تستحقها بين الأمم.
روج المتأسلمون من خلف جدران التخلف التي يتحصنون داخلها لفكرة أن المرأة المصرية سلعة جنسية يفرغ فيها الرجل شهوته، وحرّموا عليها تولي مناصب قيادية في الدولة، وسعوا إلى تغليف جسدها وعقلها بجدار سميك من السواد والعتمة والظلام، ونسوا – وتناسوا- أن المرأة هي رمانة ميزان المجتمع؛ سواء داخل أسرتها الصغيرة أو بامتداد الوطن الفسيح، فهي التي تلقن أبناءها لغتهم، وتحافظ على عادات وتقاليد شعبها، وتربي مع زوجها أجيالا، إن أحسنا تربيتها، نهض المجتمع، وإن أفسداها فسد المجتمع وتخلف وانهار بنيانه الأخلاقي والحضاري على حد سواء.
أكتفي بهذا القدر من معاصي المتأسلمين تجاه الله الذي خلق الذكر والأنثى من نفس واحدها، وخلق منهما رجالا كثيرا ونساء، وتجاه المجتمع الذين يريدونه كما هم – مجتمعا أعور ومبتور الساق- يسير في الحياة بعين واحدة وعلى قدم واحد. أما السياسيون الآخرون ممن يطلقون على أنفسهم العلمانيين والمدنيين والليبراليين فأخطاؤهم أيضا فادحة في حق مصر والمصريين، إذ اكتفوا بمعارضة ورفض كل ما هو متأسلم، دون أن يطرحوا بديلا لما يرونه متخلفا، سواء في الفكر أو الفعل.
لم يطرح “تجار الأيدلوجيات ” أولئك رؤى وبرامج واقعية لحل مشاكل المصريين خارج الفضائيات أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تعايشوا مع واقع افتراضي لا يختلف كثيرا عن قصور رمال على الشواطئ يشيدونها بكلمات وألفاظ دون سند من الواقع المصري الأليم.
إن مصر تحتاج إلى نوع آخر من الساسة، يعملون أكثر مما يتكلمون، يلتحمون بالجماهير في الشارع والحقل والمصنع والمدرسة وفي مستشفيات الدولة ولا يتأففون من استخدام وسائل المواصلات العامة.
مصر تحتاج إلى شباب يقتحم في جرأة وإصرار عرين المشاكل التي تعاني منها البلاد، كتلوث البيئة وأزمات الطاقة المتتابعة، لأن في مقدورنا أن نعظم القيمة المضافة من الموارد المتاحة، سواء كانت الشمس، أو الرياح، أو المياه، وهذه الجبال من المخلفات التي يمكن معالجتها وتدويرها بطرق علمية سليمة وبسيطة، لتعود بالنفع على بلادنا في صورة فرص عمل وطاقة نظيفة ومتجددة.
أما آفة الأمية التي لا يدرك كثيرون منا آثارها التدميرية على مستقبل هذا الوطن، فدور الشباب في حلها بأساليب غير تقليدية مطلوب وبإلحاح، فليبادروا بتشكيل فرق عمل في مدنهم وقراهم وأحياء سكنهم، لانتشال مواطنين من أقاربهم وجيرانهم وإخوتهم في هذا الوطن من مستنقع الجهل والتخلف، وفتح آفاق جديدة للوعي تحصنهم من ويلات العجز والفقر والعوز. أيها المصريون!
هذه بعض الأفكار حول حلول لبعض المشاكل، وتأكدوا أن كل المشاكل مهما كثرت قابلة للحل، إن أردتم!
حسن بارود
فيينا في 25 فبراير 2014

عن nemsawy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هذا القانون يدفعك للحرام.. ضوابط الزواج الثاني في مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد

قالت النائبة نشوى الديب إن مشروع تعديلات قانون الأحوال الشخصية، جاءت بهدف ...