Categories
أخبار الجاليات حسن بارود معرض

المصريون بين مطرقة الإرهاب وسندان العقيدة

بقلم حسن بارود
انقسم المصريون بين مؤيدين ومعارضين لعمليات “تهجير” مصريين مسيحيين من العريش إلى مدن أخرى، حرصا على أرواحهم التي يستحلّها ويستبيحها الإرهاب الأسود الذي يستهدفهم مع غيرهم من المصريين؛ فبينما لا يرى فريق من المصريين غضاضة في إنقاذ حياة أولئك المواطنين المسالمين بترحيلهم أو تهجيرهم، يتهم فريق آخر الدولة بالتغاضي عن مسئوليتها عن حمايتهم في بيوتهم في منطقة العريش. يرى بعض أتباع هذا الفريق أن تفريغ العريش من المسيحيين استسلام من الدولة وخيانة لمواطنيها المسيحيين. أما الفريق الثالث فهو فريق المتأسلمين الشامتين في مصر والمصريين، الذين انبروا في البكاء على مصير الأقباط باعتبارهم ضحايا تخاذل الدولة وربما تواطؤها، بعد أن كان أولئك المتأسلمون، وما زالوا، ألد أعداء المسيحيين المصريين وكنائسهم.

مطرقة الإرهاب:
في رأيي أن الإرهاب الأسود في سيناء وسوريا والعراق وليبيا والصومال وأفغانستان ونيجيريا ومالي والجزائر وتونس بل وفي فلسطين وغيرها من بلاد العالم المختلفة يستهدف الأبرياء أيا كانت عقيدتهم، مادام قتلهم يخدم أهداف القتلة ونهجهم في الترويع واستحلال ما حرّمت الشرائع السماوية والقوانين الدولية ، ولذلك تضعف حجة القائلين بأن استهداف المسيحيين في العريش أو في نيجيريا والأوروبيين المسيحيين في فرنسا وأسبانيا وألمانيا ، أو اليزيديين والسنّة والشيعة في العراق أو اليمن، مجرد نتائج طبيعية لتهاون أو تقاعس سلطات تلك دول في حماية الضحايا.

في رأيي أيضا أن تهجير شريحة بعينها من المواطنين المصريين لإبعادهم عن مصادر الخطر، مع أسفنا لضرورة هذا الإجراء، إلا أنه في النهاية لا يعني سوء نية تجاه أتباع ديانة بعينها، لأن الدولة المصرية سبق أن أفرغت مساحات شاسعة في منطقة رفح ومحيطها من كل سكانها تقريبا، بعد استهداف قوات الأمن والمواطنين من جانب العصابات الإرهابية في المنطقة، كما سبق أيضا أن هجّرت مصر ملايين المصريين من سكان مدن القناة عقب هزيمة 67، لتجنيبهم مخاطر تطورات الصراع العسكري مع قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تمركزت على بعد عدة أمتار من تلك المدن بامتداد طول قناة السويس.
لذلك فإذا صار المسيحيون المصريون في العريش هدفا مباشرا لعمليات الإرهاب الخسيسة، مع عجز قوات الأمن عن حمايتهم كغبرهم من المصريين، وفي ظل استمرار المواجهات بين قوات الأمن والعناصر الإرهابية، يصبح تهجيرهم أمرا ضروريا.
ولماذا نذهب بعيدا، فإن الدول تلجأ إلى إخلاء مناطق بعينها في حالة تعرضها لكوارث طبيعية كالزلازل والفيضانات، فما بالنا بإرهاب غادر يستهدف على حين غرة أبرياء في بيوتهم ومتاجرهم ودور عبادتهم.

سندان العقيدة:
لا يخفى علينا أن عددا غير قليل من دعاة وأحبار المسلمين والمتأسلمين دأب على التحريض ضد المسيحيين باعتبارهم كفارا لا تجوز تهنئتهم بأعيادهم أو التعامل معهم، ناهيك عن مصاهرتهم، بل إنهم أحلّوا استباحة دمائهم وممتلكاتهم. لذلك فلا غرابة في إقدام الإرهابيين الذين يرفعون راية سوداء للعقيدة الإسلامية أن يرتكبوا مثل هذه الجرائم، في غياب مؤسف لدور المؤسسات الدينية التقليدية في تنوير المجتمع وتوعية أفراده من خلال خطاب ديني منصف لأتباع الديانات الأخرى باعتبارها ديانات سماوية لأهل كتاب، وأن الله تعالى وحده هو الذي سيفصل يوم القيامة بين كل المؤمنين فيما كانوا فيه يختلفون، وأن الحكمة من التعدد والتوع العرقي والعقائدي هي التعارف وحسن المعاملة.
نحن في حاجة ماسة إلى نمط مختلف من التعليم في مصر يبدأ بمعلم مستنير في رياض الأطفال ومراحل التعليم المختلفة، وكتاب مدرسي لا ينحاز إلى دين أو مذهب بعينه من خلال نصوص تحريضية، كما نحتاج إلى أئمة ووعاظ وقساوسة يدعون إلى سبيل الله بالحكمة والوعظة الحسنة يركزون في دعوتهم على الفضائل، كما نحتاج إلى إعلام ناضج لا يلهث وراء الشواذ من الأشخاص أو الأفعال، بل يعلي قيمة التعايش السلمي بين شرائح المجتمع على اختلافها وتنوعها، انطلاقا من مبدأ الدين لله والوطن للجميع.

نحن نحتاج إلى أحزاب سياسية تنأى عن التعصب الديني أو المذهبي وتدرك أن التفاعل المجتمعي الإيجابي يشكل اللبنة الرئيسية لتماسك المجتمع وتقدمه وازدهاره، فلا تسييس للدين ولا تديين للسياسة.
نحن في حاجة إلى نظام حكم رشيد يخدم المصريين – كل المصريين- ويؤمن بأن العدل أساس الحكم؛ والعدل هنا بين كل المصريين، سواء في الحقوق أو الواجبات وأن الشخص المناسب للمنصب المناسب، بغض النظر عن انتمائه الديني.
على المسلمين أن يدركوا أن رسالة الإسلام جاءت متممة وخاتمة لرسالات الله التي سبقت رسالة الإسلام، وأن الله اصطفى من بين خلقه أنبياء ورسل كثر، وأن من أساس العقيدة الإسلامية الإيمان بالله ورسله وكتبه، وأن الله – وكذلك نحن- لا نفرق بين أحد من رسله، وأن احترام رسالات السماء، كل الرسالات، من صميم صحيح عقيدتنا.

إنني أذكر المؤمنين من المسلمين بقول الله تعالى في سورة الأنعام: ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الأنعام/ 108. فهذا قوله عزّ وجلّ في حق من يتخذ آلهة من دون الله، فما بالكم – سلمت عقيدتكم – بمن بعث فيهم الله رسلا وأنبياء برسالات وكتب وسمّاهم أهل الكتاب، وإقرار الله بأنّه قد زيّن لكل أمة عقيدتها، وأن مرجعنا جميعا، مؤمنين ومشركين وكفارا إليه يوم القيامة، فينبؤنا بما كنا نفعل ونعمل في الحياة الدنيا!!

أما المتأسلمون ومدعو التقوى والصلاح، فلتنظروا إلى أنفسكم، كيف تحرضون بالأمس ضد المسيحيين لأنهم رفضوا حكم جماعتكم، فتحرقون كنائسهم وتسبون عقيدتهم وتروعونهم في بيوتهم وأوطانهم، ثم تسكبون اليوم دموعا زائفة على قتلاهم على أيدي أربابكم من الإرهابيين وشياطين الفتنة. ألا إنكم كاذبون ومنافقون.
فيينا في 27 فبراير 2017.

نبذة عن الكاتب الكبير (حسن بارود)
ـ ولد حسن بارود سنة 1954 في قرية المنشاة الصغرى مركز كفر شكر بمحافظة القليوبية؛
ـ في القرية تلقى تعليمه الأساسي ثم انتقل إلى مدينة كفر شكر حيث تلقى تعليمه المتوسط والثانوي؛
ـ انتقل في 1972 إلى القاهرة حيث درس الأدب الألماني، والعلوم العربية والإسلامية في كلية اللغات بجامعة الأزهر.
ـ في المدرسة الابتدائية التحق بفريق التمثيل وأدى عدداً من الأدوار في حفلات المدرسة السنوية، ثم واصل في المرحلة الإعدادية هواية التمثيل.
ـ في المرحلة الثانوية، أدار مع بعض زملائه «الإذاعة المدرسية» كما شارك في تحرير مجلات الحائط، وبدأ يقرض الشعر، وأنهى المرحلة الثانوية بأولى تجاربه في كتابة المسرحية ذات الفصل الواحد «غريب بين أهله» التي مثلتها في أغسطس 1972 الفرقة المسرحية التي أسسها بارود في قريته.
ـ في 1973 اختير حسن بارود كشاب مثالي عن مركز كفر شكر حيث شارك في معسكر بمدينة الإسكندرية لإعداد القادة والرواد في صيف نفس العام. في الجامعة التحق بفريق تمثيل الكلية، لكن سفره إلى النمسا لأول مرة في صيف 1974 حال دون مشاركته في أعمال مسرحية.
ـ في عام 1976 التحق بارود بمعهد الترجمة بجامعة فيينا، لكنه انتقل إلى معهد الأدب الألماني بعد التخرج من جامعة الأزهر في 1978.
ـ خلال الفترة من 1980/ 1998 عمل بارود بالتدريس في مدرسة فيينا الدولية، حيث كان يدرّس اللغة العربية وتاريخ وحضارة العالم الإسلامي، ثم اختير ممتحناً للغة العربية في شهادة البكالوريا الدولية وعضوا في لجنة دولية لتقييم جودة المدارس الدولية، كما ساهم طوال فترة عمله في المدرسة الدولية في وضع برامج ومناهج لتدريس اللغات في المدارس الدولية، بالإضافة إلى تدريب معلمي اللغة العربية والأدب العالمي في المدارس الدولية في الشرق الأوسط.
ـ خلال تلك المرحلة لم يتوقف بارود عن الكتابة، حيث نشرت أولى أعماله وهي قصة قصيرة جدا بعنوان «حدّوتة قبل النوم»،
ـ شارك في تأسيس أول اتحاد للدارسين المصريين في النمسا وإصدار مجلة «صوت الدارسين» التي واظب على الكتابة في كل ما صدر عنها من أعداد.
ـ بدأ بارود محاولات الكتابة بالألمانية في سنة 1976، واستمر في الكتابة باللغتين العربية والألمانية، حيث كتب عددا من القصص القصيرة مثل «الأم العمياء» و«انتقام الكلاب» و«علاء الدين في الأراضي المقدسة»، ومسرحية «علي بابا بعد الثراء»، والعديد من المقالات في السياسة والأدب.
ـ بالألمانية نشر لحسن بارود عملان: «الراقص على سلمين.. الثنائية في حياة المهاجر»، و«الطعام عند اليهودي والنوم عند المسيحي».
ـ منذ عام 1998 يعمل حسن بارود بسفارة مصر لدى النمسا.
ـ عضو اتحاد الكتاب النمساويين، محاضر في المنتدي الأوروبي للحوار حول التسامح في مقاطعة كارنثيا، عضو مؤسس في البيت العربي العربي النمساوي للثقافة والفنون.
ـ حسن بارود متزوج وله 3 أبناء.
قصص:
ـ حدّوتة قبل النوم، انتقام الكلاب، الأم العمياء، علاء الدين في الأراضي المقدسة.. قصة لم تكتمل بعد.
مسرحيات:
ـ علي بابا بعد الثراء، غريب بين أهله.
من خزانة الذاكرة:
برونو كرايسكي، أول الغيث قطرة، منحة ياريس: كيرششليجر!، الصراع على منصب المدير العام لوكالة الطاقة، ليلة وفاة الزعيم.
مقالات:
بالعربية: رسائل الكترونية، خواطر حول مسألة الاندماج في عصر العولمة، دور الجالية المسلمة في المجتمع النمساوي، خواطر حول قضية التعليم في مصر، وصفة لعلاج بعض مشاكل مصر، موائد الوحدة الوطنية الرمضانية، قليل من السياسة: فلسطين في الذكرى الستين لتقسيمها، خواطر حول المقذوفات وحالات الهوس التي أعقبت واقعة الصحفي العراقي، قليل من السياسة: خواطر حول الآثار النفسية للحرب الإسرائيلية على الناجين من محرقة غزة 2008، معذرة إن كتبت! خواطر عابرة حول ما وقع من أحداث في الآونة الأخيرة، خواطر في المقابر، وإذا الأبرياء سئلوا، بأي ذنب قتلوا، وجعلنا لكل شئ سبباً، وطفح الكيل في أطفيح، فلنضع أيدينا على قلوبنا!، دعوة إلى وقفة مع النفس، واختلط الحابل بالنابل! محاولة لاستكشاف ملامح الواقع المصري المعاصر، العدل والعدالة والاعتدال، مازال القدر مملوءا: تأملات مراقب للأوضاع في مصر، وأين المرأة في الثورة المصرية؟!، ماذا لو.. ولماذا لا؟، تعالوا نتصارح!، ثقافة غض البصر عن البدائل، تعالوا نتشارك!، ثقافة الطناش!، ثقافة الطمس والمحو والتشويه!، خواطر حول انتخابات رئيس مصر، لن يعيش السمك في اللبن!، ليس الشديد بالسرعة!، أيها المصريون! خذوا حذركم من أعراض وباء تدمير الذات!، في الصلح خير!، مصر ثلاثية الأبعاد، عود على بدء: نظرة العين العوراء لمشكلة الطاقة في مصر، شياطين الفتنة: قصة واقعية من قريتي، الساسة ونباتات الظل، أيها المتأسلمون.. إنا سئمناكم!
بالألمانية: الراقص على سلمين ـ الثنائية في حياة المهاجر، الطعام عند اليهودي والنوم عند المسيحي.