الرئيسية / أخبار الجاليات / بالصور: الكاتب حسن بارود .. داخل القلوب

بالصور: الكاتب حسن بارود .. داخل القلوب

أقام البيت العربي النمساوي بالتعاون مع النادي المصري بفيينا يوم الجمعة 24/2 ندوة ثقافية مع الكاتب الكبير/ حسن بارود. وذالك بمقر النادي

حضر الندوة كوكبة من مثقفى النمسا منهم على سبيل المثال الأستاذ/ خالد حسين. رئيس النادى المصرى ومجلس ادارته. والمهندس/ مصطفى عبدالله. والأستاذ/ عادل زعزوع. والمهندس/ أحمدعامر. وكوكبة من مثقفى النمسا من جنسيات مختلفة.
وكان ايضا حضور السيدة الفاضلة حرم الكاتب وأبناءه للندوة ذات معانى كبيرة وكثيرة. عبر عنها نجله الفنان التشكيلى (ادم) بانه فخور بما يكتبه والده.

كانت الندوة بالفعل تعبر عن مدى تعمق وتوغل الكاتب داخل عقول أبناء الجاليات العربية بالنمسا والدليل على ذالك هو هذا الحضور المتميز من أبناء جاليات الأردن والجزائر وسوريا والعراق وفلسطين ومصر.
وكان من ابرز المشاهد التى لفتت نظرى هذا الحوار الرائع الذى حدث بيين الكاتب وجمهوره من المثقفين وخاصة السيدات الفاضلات
كان حوارهم مع الكاتب يوضح مدى فهمهم وتعمقهم فيما يسرده .
كانت بالفعل ندوة شعرت من خلالها بمدى ثقافة الكاتب والجمهور الأكثر من رائع
الحب والاحترام والأعجاب والثقافة هو شعار الحديث الدائر بينهم

الكاتب يتحدث من خلال ثقافته ونشاته المصرية ثم يمزجها بدراسته المتعمقة فى الأدب الألمانى. ونجح من خلال ذالك فى ان يضع امام القراء والمثقفين وجبة دسمة من ثقافة اللغة العربية واللهجة المصرية والعادات والتقاليد بريف مصر من خلال القصة القصيرة التى أبدع فيها.

وحتى لا أطيل على حضراتكم سوف اضع أمام حضراتكم بعض من أعماله القيمة

ونصل الى ( مفيد فوزى النمسا ) وانا اقصد هنا الأستاذ/ محمد عزام. الذى ادار الندوة بكفاءة عالية واقتدار كبير. استطاع من خلاله أن يخرج فكر الكاتب ومنهجه ونشأته بشكل سلس. ويحسب له ايضا كيف كان يستطيع ان يعيد الحوار بيين الجمهور والكاتب ليظل فى دائرته حتى لا يخرج الحوار الى اطار او موضوع اخر.
الم اقل لكم أنه( مفيد فوزى النمسا )

الكاتب الكبير (حسن بارود)
ـ ولد حسن بارود سنة 1954 في قرية المنشاة الصغرى مركز كفر شكر بمحافظة القليوبية؛
ـ في القرية تلقى تعليمه الأساسي ثم انتقل إلى مدينة كفر شكر حيث تلقى تعليمه المتوسط والثانوي؛
ـ انتقل في 1972 إلى القاهرة حيث درس الأدب الألماني، والعلوم العربية والإسلامية في كلية اللغات بجامعة الأزهر.
ـ في المدرسة الابتدائية التحق بفريق التمثيل وأدى عدداً من الأدوار في حفلات المدرسة السنوية، ثم واصل في المرحلة الإعدادية هواية التمثيل.
ـ في المرحلة الثانوية، أدار مع بعض زملائه «الإذاعة المدرسية» كما شارك في تحرير مجلات الحائط، وبدأ يقرض الشعر، وأنهى المرحلة الثانوية بأولى تجاربه في كتابة المسرحية ذات الفصل الواحد «غريب بين أهله» التي مثلتها في أغسطس 1972 الفرقة المسرحية التي أسسها بارود في قريته.
ـ في 1973 اختير حسن بارود كشاب مثالي عن مركز كفر شكر حيث شارك في معسكر بمدينة الإسكندرية لإعداد القادة والرواد في صيف نفس العام. في الجامعة التحق بفريق تمثيل الكلية، لكن سفره إلى النمسا لأول مرة في صيف 1974 حال دون مشاركته في أعمال مسرحية.
ـ في عام 1976 التحق بارود بمعهد الترجمة بجامعة فيينا، لكنه انتقل إلى معهد الأدب الألماني بعد التخرج من جامعة الأزهر في 1978.
ـ خلال الفترة من 1980/ 1998 عمل بارود بالتدريس في مدرسة فيينا الدولية، حيث كان يدرّس اللغة العربية وتاريخ وحضارة العالم الإسلامي، ثم اختير ممتحناً للغة العربية في شهادة البكالوريا الدولية وعضوا في لجنة دولية لتقييم جودة المدارس الدولية، كما ساهم طوال فترة عمله في المدرسة الدولية في وضع برامج ومناهج لتدريس اللغات في المدارس الدولية، بالإضافة إلى تدريب معلمي اللغة العربية والأدب العالمي في المدارس الدولية في الشرق الأوسط.
ـ خلال تلك المرحلة لم يتوقف بارود عن الكتابة، حيث نشرت أولى أعماله وهي قصة قصيرة جدا بعنوان «حدّوتة قبل النوم»،
ـ شارك في تأسيس أول اتحاد للدارسين المصريين في النمسا وإصدار مجلة «صوت الدارسين» التي واظب على الكتابة في كل ما صدر عنها من أعداد.
ـ بدأ بارود محاولات الكتابة بالألمانية في سنة 1976، واستمر في الكتابة باللغتين العربية والألمانية، حيث كتب عددا من القصص القصيرة مثل «الأم العمياء» و«انتقام الكلاب» و«علاء الدين في الأراضي المقدسة»، ومسرحية «علي بابا بعد الثراء»، والعديد من المقالات في السياسة والأدب.
ـ بالألمانية نشر لحسن بارود عملان: «الراقص على سلمين.. الثنائية في حياة المهاجر»، و«الطعام عند اليهودي والنوم عند المسيحي».
ـ منذ عام 1998 يعمل حسن بارود بسفارة مصر لدى النمسا.
ـ عضو اتحاد الكتاب النمساويين، محاضر في المنتدي الأوروبي للحوار حول التسامح في مقاطعة كارنثيا، عضو مؤسس في البيت العربي العربي النمساوي للثقافة والفنون.
ـ حسن بارود متزوج وله 3 أبناء.
قصص:
ـ حدّوتة قبل النوم، انتقام الكلاب، الأم العمياء، علاء الدين في الأراضي المقدسة.. قصة لم تكتمل بعد.
مسرحيات:
ـ علي بابا بعد الثراء، غريب بين أهله.
من خزانة الذاكرة:
برونو كرايسكي، أول الغيث قطرة، منحة ياريس: كيرششليجر!، الصراع على منصب المدير العام لوكالة الطاقة، ليلة وفاة الزعيم.
مقالات:
بالعربية: رسائل الكترونية، خواطر حول مسألة الاندماج في عصر العولمة، دور الجالية المسلمة في المجتمع النمساوي، خواطر حول قضية التعليم في مصر، وصفة لعلاج بعض مشاكل مصر، موائد الوحدة الوطنية الرمضانية، قليل من السياسة: فلسطين في الذكرى الستين لتقسيمها، خواطر حول المقذوفات وحالات الهوس التي أعقبت واقعة الصحفي العراقي، قليل من السياسة: خواطر حول الآثار النفسية للحرب الإسرائيلية على الناجين من محرقة غزة 2008، معذرة إن كتبت! خواطر عابرة حول ما وقع من أحداث في الآونة الأخيرة، خواطر في المقابر، وإذا الأبرياء سئلوا، بأي ذنب قتلوا، وجعلنا لكل شئ سبباً، وطفح الكيل في أطفيح، فلنضع أيدينا على قلوبنا!، دعوة إلى وقفة مع النفس، واختلط الحابل بالنابل! محاولة لاستكشاف ملامح الواقع المصري المعاصر، العدل والعدالة والاعتدال، مازال القدر مملوءا: تأملات مراقب للأوضاع في مصر، وأين المرأة في الثورة المصرية؟!، ماذا لو.. ولماذا لا؟، تعالوا نتصارح!، ثقافة غض البصر عن البدائل، تعالوا نتشارك!، ثقافة الطناش!، ثقافة الطمس والمحو والتشويه!، خواطر حول انتخابات رئيس مصر، لن يعيش السمك في اللبن!، ليس الشديد بالسرعة!، أيها المصريون! خذوا حذركم من أعراض وباء تدمير الذات!، في الصلح خير!، مصر ثلاثية الأبعاد، عود على بدء: نظرة العين العوراء لمشكلة الطاقة في مصر، شياطين الفتنة: قصة واقعية من قريتي، الساسة ونباتات الظل، أيها المتأسلمون.. إنا سئمناكم!
بالألمانية: الراقص على سلمين ـ الثنائية في حياة المهاجر، الطعام عند اليهودي والنوم عند المسيحي.

والى حضراتكم بعضا من أعماله

حدوتة قبل النوم .. قصة قصيرة جدا
حسن بارود
اعتدت أن أقضي مع صغيرتي بعض الوقت قبل أن تخلد إلى النوم، وفي العادة كنت أردد على سمعها أغنيات الأطفال التي توارثناها عن أمهاتنا، وذلك لاعتقادي أن الأغنية وموسيقاها أقرب إلى وجدان طفل صغير في سن الرابعة، إلا أن صغيرتي طلبت مني ذات ليلة أن أحكي لها حدوتة قصيرة، فكان طلبها مفاجأة لي لم أتوقعها. والواقع أن المفاجأة محت كل ما في ذاكرتي من حكايات وحواديت “ألف ليلة وليلة”، فصمتّ برهة كي أتخلص من مأزق المفاجأة، وقررت أن أحكي لها قصة حقيقية رواها لي بطلها فقلت:
“كان يا ما كان في أيام زمان، كان فيه واحد صاحب بابا”، فسألت صغيرتي: “اسمه إيه يا بابا”، فأجبتها: “علي”، ولم يكن هذا هو اسمه الحقيقي، لكنني اخترت هذا الاسم، أولا كي أدربها على سماع ونطق حرف العين، وثانيا لأنه، ولغرابة الأمر، لم يكن لي حتى ذلك الوقت صديق اسمه علي، وكنت أخشى أن أذكر لها اسم أحد أصدقائي الحقيقيين، فتربط أحداث القصة باسمه.
“عمو على كان عايش لوحده في شقة، وحب يغير فيها علشان تبقى جميلة ففكر إنه يشترى نباتات ظل زي اللي بيشوفها في شقق وبيوت الأفلام. وفي يوم من الأيام وهوّ راجع من شغله دخل محل للزهور والنباتات واشترى عدد من النباتات والزهور، ونقلها بتاكسي للبيت وشالها هوّ وبواب العمارة، فحطّا كلها في الصالة، وبدأ يفكر يوزعها على الأوض واختار الأماكن الضلمة في كل أوضه علشان يغير منظرها ووزع فيها الزرع الأخضر والزهور الملونة. وفعلا اتغير منظر كل أوضه، ففرح عمو علي ودخل الحمام وجاب ميّه علشان يروي الزرع، وكان فرحان خالص، وحس إنه بقى واحد تاني عايش في شقة جميلة، ولقيته بيكلمني في التليفون وحكى لي إللي حصل وإنه فرحان لأنه شقته بقت حاجة حلوة خالص.
تاني يوم رجع عمو علي من الشغل وأول حاجة حب يشوفها كانت جنينته الجميلة في الشقة، وبعدين دخل الحمام وجاب ميّه وروى الزرع. وقعد يعمل ده كام يوم، بس بعد أسبوع شاف إن الزرع بدأ يدبل، وبدأ ورقه يصفر، والزهور كان شكلها عيانة وألوانها بدأت تتغير.
عمو علي افتكر إن الزرع عطشان فجاب ميه زي كل مرة وروى الزرع، بس الأحوال متحسنتش، كل يوم يدبل الزرع أكتر وورقه يقع. وكلها كام يوم وكل الزرع مات، وريحة الأوض كانت وحشة يعني معفنة.
عمو علي زعل واتضايق وبدأ يشتم في بياعين الزرع والزهور وحلف ما يدخل محلاتهم طول ما هوّ عايش، ولم كل الزرع إللي في الشقة ورماه في الزبالة، وكان زعلان قوي لأنه صرف فلوس كتير، وفي الآخر كل الزرع مات.
المهم، عم علي عزمني في بيته فرحت أزوره وأتفرج على الشقة بالزرع الجديد، وسألته إيه أخبار الجنينة الجميلة، فلقيته زعلان وقرفان من عيشته، وقال لي: “يا أخي” تجار الزهور كلهم غشاشين، تصور بعد أسبوعين بس كل الزرع مات، فسألته ليه كده، أنا عندي زرع في الشقه بقاله سنين ومحصلش حاجة، فقال لي ما هو دى اللي غايظني، فقلت له وريني الأماكن اللي كنت حاطط فيها الزرع، فدخلنا أوضة والثانية، وكل الأماكن اللي ورّاها لي كانت ضلمة خالص، مفيش فيها أي ضوء، فقلت يا صاحبي النباتات صحيح اسمها نباتات ظل، لكنها محتاجة لضوء “نور” علشان تعيش، التجار مش غشاشين يا علي، إنت اللي مفرقتش بين الضل والضلمة، وبعدين زي ما حكيت لي إنت كنت بتروي الزرع كل يوم وده غلط كمان، لأنك يا علي ما بتشربش إلا لما تعطش، والزرع نفس الوضع”.
ابتسمت صغيرتي ابتسامة وضعتني في حيرة من أمري، وتساءلت في صمت هل فهمت الصغيرة الحدوتة، إلا أنها قطعت صمتي بقولها: “إزاي عمو علي كبير وميعرفش الفرق بين الظلمة والضلام؟ ففرحت لذكاء صغيرتي وقلت لها يا حبيبتي فيه ناس كثير متعرفش تفرّق، وبعدين يفتكروا إن كل ما يزودوا الميّه للزرع هيكبر ويبقى حلو، يعني من كتر حبهم للحاجة ممكن يضروها”، فٌقالت: “لأ دول ممكن يموتوها زي عمو علي، أنا زعلانة قوي على الزرع اللي مات”!!!
مسحت جبينها بيدي، ووضعت قبلتين على خديّها وتمنيت لها نوما هادئا، وقلت: “هطفي النور علشان تنامي”، فقالت لي مبتسمة: “سيب النور مولع، أنا لسه هفكر في عمي على المسكين وعايزة أفكر في النور مش في الضلمة يابابا”!!!!
حسن بارود- فيينا في 1986

مقتطفات من حكايات من قريتي
أبي والمدرسة
كان التعليم عملة نادرة لا يقدر على الفوز بها إلا القلة القليلة من أبناء القرية، وكان محصورا في كتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم وتلاوته مع تعليم القراءة والكتابة وبعض مبادئ الحساب، وكان بعض أبناء فقراء القرية أو مكفوفوها يحفظون القرآن لتلاوته في بيوت الميسورين من أهل القرية نظير “ميزانية” موسمية أو سنوية عبارة عن بضعة أقداح من الغلال والحبوب التي تنتجها الأرض يتلقاها الشيخ من “زبائنه” عقب كل حصاد، بالإضافة إلى ذلك فكانت هناك مدرسة أولية يعود الفضل إلى إنشائها لحكام مصر من أسرة محمد علي الذين سعوا إلى نشر المدارس في ربوع القطر المصري، وإن كان معظم إن لم يكن كل معلمي تلك المدارس من الأزهريين الذين ركزوا على تعليم اللغة وتحفيظ القرآن، مع قليل من مبادئ الحساب.
فرحت جدتي وأخوات أبي والمقربون من الأهل والأقارب باليوم الأول للصغير في المدرسة، وقد ارتدى جلبابا جديدا ونعلا لقدميه وعلق على كتفه “مخلة” من القماش الرخيص خاطتها أمه بإبرة وخيط غليظ وبداخلها لوح أسود من الخشب، وريشة من البوص نحتها للصغير أحد أزواج أخواته.
نعم فهاهو آخر العنقود “عبد الله” يذهب إلى المدرسة ليتعلم القراءة والكتابة والحساب، ويبدأ في حفظ ما يتيسر من القرآن. وها هي أمه تردد وهي تمسك بذراعه في طريقهما إلى المدرسة ما حفظته من آيات تكررت تلاوتها على أسماعها في بيتهم صباح كل يوم من حنجرة الشيخ الضرير “محمود الغريب” الذي اعتاد عقودا من السنين التردد عقب شروق شمس كل يوم على البيت، حتى بعد وفاة زوجها. كان استهلال كل يوم بتلاوة القرآن في البيت عادة حميدة لم ترغب الأرملة في انقطاعها، كي تطرد منه الشياطين، وتحل على المكان وأهله البركة من عند الله.
كان الشيخ “محمود الغريب” يعمل في المدرسة محفظا للقرآن يومين في الأسبوع وهو الذي فاتح ناظرها في أمر قبول أبي اليتيم في المدرسة رغم صغر سنه، حتى لا يتعرض لأذى من أبناء عمومته الذين دأبوا على مضايقة أرملة عمهم وبناته بدافع من الغيرة الاجتماعية، وكم من مرة فاتحت جدتي الشيخ الغريب في أمر الصغير الذي كانت تخشى عليه من قسوة أبناء أعمامه الذين كانوا يكبرونه بسنوات عدة.، حتى وافق حضرة الناظر على قبول اليتيم الصغير.
لم يكن الناظر من أهل القرية بل كان يفد إليها صباح كل يوم على ظهر حمار ينقله من قريته التي تبعد نحو خمس كيلومترات إلى مقر عمله في مدرسة قرية أبي، فما كان ليهبط من فوق ظهر حماره حتى يسحبه الفراش ويتوجه به إلى زريبة ملاصقة لمبنى المدرسة خاصة بأحد أعيان القرية الذي يرعى رجاله ضيافة ركوبة الناظر، وهكذا كل يوم وبدون مقابل، بل إن الأمر لم يكن يخلو من تلقي الناظر أفندي بعض الهدايا من أعيان القرية، إما ليأخذها معه إلى بيته على ظهر حماره، أو ترسل إلى البيت مع “مخصوص” إذا كانت مما ثقل حمله، وصعب على الناظر اصطحابه.
حرص الشيخ محمود على متابعة الصغير في المدرسة أولا بأول، وكان يسعد بعرض تقرير شبه يومي على أم الصغير التي كانت تدعو الله أن يحمي صغيرها من كل مكروه، وأن يقيه شر عيون الناس. وما من مرة جاء فيها ذكر اسم الصغير إلا ورددت: “يحرسه ربنا ويحميه”! ، و لم لا وقد كان أملها وأمل بناتها، أليس هو الرجل الوحيد في الأسرة؟ ألن يكون هو حامي حمى أسرته من الولايا؟ أليس هو من سيفتح البيت، ويبقي على اسم أبيه وعائلته؟
انقضت بضعة شهور والصبي مواظب على الذهاب إلى مدرسته، حتى أصبح قادرا على فك الخط، وكتابة اسمه، بل إنه كان يكتب اسم أمه على تراب الأرض ويناديها كي تقرأه، وما هي بقارئة. وكم من مرة ردد على أسماعها ما احتفظت به ذاكرته الغضة من أناشيد وأدعية وآيات من القرآن الكريم، كل هذا والأم والأخوات وأزواجهن في سعادة لا توصف، وأمال الجميع تكبر وتعظم بمرور الأيام.
كان يوم الخميس آخر أيام الأسبوع في مدرسة القرية حين عاد الصغير إلى بيته فوجد أمه قد أعدت طعام الغداء فجلس معها وأخواته حول الطبلية، وإذا بطرق على باب البيت، فنهض يفتح للقادم، فإذا به الشيخ محمود، الذي ما كان يتردد على البيت في غير أوقات الصباح يقول “يا ساتر”! أين الست أم عبد الله ؟ فردت الأم في استغراب للزيارة وتوقيتها، ها أنا ذا، تقدم لتتغدى معنا! رحب الرجل بالدعوة فأفسحت له بنتان مكانا إلى جوار أخيهما، فقال الرجل: يجعله عامر إن شاء الله بحس عبد الله! ثم أردف: لعلكم تستغربون من قدومي إليكم الآن، فلم أستطع صبرا حتى صباح الغد لأزف إليك البشرى يا أم عبد الله، فأنت الآن لست أم أحمد، بل أم عبد الله أفندي!
لم تفهم الأم من كلام الشيخ محمود شيئا، فهي فعلا أم عبد الله منذ ولادته، لكن العادة جرت على أن تكنى باسم أبيها، إن لم يكن لديها ولد ذكر، خاصة وأنها ظلت أما لبنات فقط لسنوات طويلة قبل أن يولد الابن الذكر، ولكن ما حكاية عبد الله أفندي هذه؟
لم تكد الأم تنتهي من وضع طبق خاص للشيخ الكفيف كي يأكل منه وحده بلا حرج، حتى تلمسه بأصابعه، وسأل عما بداخل الطبق، فقالت: “ورك بطة ورقاق مغطس في الفرن”، فقد خبزنا اليوم.
“يجعله دايما عامر يا سميع يا عليم يا كريم”!، كانت تلك عبارات الرجل قبل أن يرفع الورك إلى فمه ويقضم قضمته الأولى.
ثم أتبع: “شوفي بقى يا ستي”! ابنك أشطر واحد في المدرسة، الشيوخ مبسوطين منه قوي، وحفظه خفيف ونبيه خالص، وبكره تشوفي ها يكبر ويروح الأزهر ويعيش في المحروسة أم الدنيا، وها تبقى له شنه ورنه، وتقولي بقى الشيخ محمود ـ الله يرحمه ـ قال لي الكلام ده من كام سنة”.
“كل يا شيخ محمود بالهنا والشفا”!، كان تعليق الأم على كلام الضيف مع شعور بقبضة في صدرها لسماعها، الأزهر وأم الدنيا و…و…..
انقضى النهار، وغربت شمس يوم الخميس ذاك، وبدأ الظلام ينسحب على القرية ويدفع معه أهلها إلى داخل بيوتهم ليهجعوا إلى مضاجعهم، وإذا بالصغير يشكو من وجع في الرأس فتحسسته الأم على ضوء لمبة جاز خافت، فإذا برأسه وكأنها جمرة من النار، وشعرت برعشة ترج الصبي، فصاحت ملتاعة: “حسدك الشيخ محمود وأصحابه يا بني! منهم كلهم لله، إنها الحمىّ، يا عين أمك!”
أرسلت الأم صغرى بناتها إلى بيت أختها كي تأتي وزوجها، فما لبثت أن عادت ومعها أخواتها الثلاثة وأزواجهن، وأرسلت الأم في طلب أخيها “درويش” الذي جاء أيضا، والتف الجمع حول المريض الصغير الذي يتأوه من الألم، ولا يكاد يقدر على الرد على استفساراتهم التي لا تنقطع عن حالته.
شخّص خال الصبي الحالة بأنها ضربة شمس، وأنه “سيأخذ له الشمس”، فجيء له بمنديل قماش كبير وقضيب من الخشب، فأحكم الرجل لف المنديل على رأس الصغير، وأخذ يشدد اللفة على الرأس بتدوير القضيب في اتجاه واحد، والصبي يئن ويئن من الألم الجديد الذي أضافه خاله إلى ألمه، وبعد دقائق فك الخال الرباط، وطمأن أخته المتوترة، بأن كل شيء سيصبح تماما عند الصباح.
انفض المجلس من الرجال الأربعة الذين عادوا إلى بيوتهم، في حين قررت الأخوات الثلاثة البقاء في بيت أمهن مع أخيهن الصغير حتى الصباح.
أقبل الشيخ محمود كعادته بعيد شروق شمس يوم الجمعة ليتلو القرآن في المنظرة، لكن استقبال الأم له كان على غير العادة فاترا، فأخذ يتلو ما تيسر له من القرآن، وقبل أن ينهض خارجا بادرته الأم بقولها: “اسمع يا شيخ محمود! ابني كان هيموت ليلة امبارح. انتوا حسدتوه، ويكون في علمك، ده كان أخر يوم له في المدرسة، وها يقعد جنبي قدّام عيني”!
تلعثم الرجل، ولم يقدر على الرد، فهو أيضا مؤمن بوجود الحسد، وإن كان على يقين بأنه لم يكن يقصد الحسد، وإنما دفعه حبه للبيت وآله وللصغير أن يبادر بالسعي إلى أمه بالأمس ليبشرها بمستقبل ابنها الوحيد، لكنه تماسك وقال لها في خشوع: “قدر الله وما شاء فعل، يا أم أحمد! وتساءل: “هل يعني هذا أن عيشي انقطع من بيتكم؟”، فأجابت: “كلا، أهلا بك ومرحبا، ولكن لا تفاتحني بعد اليوم في هذا الأمر!”
بعد أيام قليلة انقشعت الحمى عن الصبي وبدأ يسترد عافيته، إلا أنه ما كان له إلا أن يرضخ لقرار أمه، ولم يكن بمقدور أخواته ولا أزواجهن ولا أي مخلوق أن يقنعها بغير ما قررت لابنها، فانقطعت علاقة الصبي بالمدرسة، وإن كانت علاقاته بأترابه لم تنقطع خلال الأسابيع الأولى من ابتعاده عن المدرسة، فكان بعضهم يروي له ما يحدث، إلا أن الروايات عن المدرسة أخذت في التلاشي رويدا رويدا، بعد أن تفرقت مشارب الصبية وأهواؤهم، فقد تنوعت عوالمهم، وأصبح عالمه محصورا في البيت والغيط والشارع غير بعيد عن أمه وأخواته.

موقعه على جسور:
http://www.jusur.net/barud.kesas
http://www.jusur.net/barud.ketabat
http://www.jusur.net/zakera1

الكاتب حسن بارود وأسرته

عن nemsawy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بالفيديو وللقراءة: (اليوم الجمعة) اقرأ وأستمع معنا (سورة الكهف) من هنا

احاديث شريفه حول فضل قراءة سورة الكهف في يوم الجمعه السلام عليكــم ...