الرئيسية / أخبار عربية / تحدي «المرحاض» يُغير موقفي من لاجئي سوريا

تحدي «المرحاض» يُغير موقفي من لاجئي سوريا

بقلم: كارولين كامل
توالى الأرقام المفزعة للقتلى والجرحى واللاجئين كل يوم منذ بداية الأزمة السورية، وتضارب المعلومات فى طيات الحقائق الغائبة، سبب لى على المستوى الشخصى ربكة فى تكوين رأى أو تبنى وجهة نظر، وبكل خجل أعترف أن موقفى فى البداية من وفود اللاجئين لمصر لم يكن إيجابي، أينعم لم يكن لى ممارسات عنصرية وكنت ضد إساءة معاملة أى إنسان ورفضت تصرفات بعض الهمج تجاه اللاجئين، ولكن آرائى كانت جانحة للاتجاه المستنكر لمطالبات بعض المنظمات المعنية بشئون اللاجئين من مصر ضرورة توفير وسائل حياة أكثر رفاهية لهم، وكانت حجتى أن مصر كدولة لا توفر لأبنائها حياة كريمة لحرص المسئولين دومًا على نهبها والعمل بكل جهد على تكدير حياة المواطنين.

تغير موقفى تدريجيًا كلما شاهدت لطف وذوق هؤلاء الذين لم يفقدوا بشاشتهم رغم معاناتهم التى يصعب كثيرًا تخيلها، وإدراك فكرة التخلى عن الوطن والهرب بما يمكن حمله فقط مثيرة للألم وكفيلة بأن يفقد الإنسان رغبته فى الاستمرار، ولكنهم أثبتوا إنهم أقوى من تلك الفكرة، وكانت لبعض التجارب الشخصية تأثيرها لأدرك حقائق كانت غائبة عني، وغائبة عن كثيرون أتمنى أن يُعيدوا التفكير فيها.

الجبل
كان موقفى المبدئى الذى سبق وقلت أنى اخجل منه مبنى فى جزء كبير منه على عدم تصديق أن هذا التشتت والفرار كان سبيلهم الوحيد، ولم أكن أعى قدر المعاناة التى اصطحبتهم حتى يصلوا لأرض غريبة ربما لا تطاردهم فيها القنابل وطلقات الرصاص، ولكن طاردتهم لعنة الوصم باللجوء.

كان تسلق جبل “سانت كاثرين” أحد أحلامى التى حققتها قبل بلوغى الثلاثين بأيام قليلة، وتحقق معه رؤيتى للجليد على قمته، ولكن هذه لحظة واحدة سبقها يومين من الترحال، الرحلة البرية فى سيارة من القاهرة لمدينة “سانت كاثرين” والاستراحة لمدة ساعتين فقط، والبدء فى رحلة تسلق الجبل، تخيلت حينها أنها متعة التوحد مع الطبيعة دون معاناة، الانطلاق فى رحابة الجبل ومتعة مطالعة السماء المرصعة بالنجوم والقمر بدر منور، ولكنه خيال طفولى تبدد بعد ساعتين من بدء التسلق.

كان الطقس شديد البرودة والتسلق فى الظلام يُزيد من المجهود المبذول لتجنب السقوط، ورغبتى الملحة المستمرة فى دخول المرحاض التى لم تتحقق بسهولة لعدم توافره أولًا، وأن كان متوفر فهو لا يصلح، فيصبح حضن الجبل المكان الأنسب رغم الهواء الشديد وبرودته وسواد الليل، ويصبح الأمر أكثر صعوبة بسبب كثرة الملابس والطبقات المتعددة.

ساعات طويلة قضيتها فى التسلق صعودًا وهبوطًا لأحقق احد أحلامي، تحديت سوء صحتى لأثبت لنفسى أنى قادرة، برودة الجو التى تصل لحد التجمد منعت جفونى من الراحة، بالإضافة إلى انعدام الخصوصية يجعل من الاسترخاء مستحيلًا.

مع أولى قطرات المياه الساخنة التى انهمرت من “الدش” على جسدى فى الاستراحة أسفل الجبل بعد انتهاء رحلة التسلق، بكيت بشدة وزفرت بقوة لأنفث عن ساعات التعب والإرهاق والضغط التى كبت التعبير عنها عنوة ووبخت نفسى كلما شعرت برغبة فى الشكوى أو البكاء طوال التسلق، ومع أول مرة استخدمت فيها المرحاض حمدت الرب على نعمة الأشياء البسيطة أو بالأصح التى تبدو بسيطة ولكن فى الواقع دونها لا تستقيم حياة أدامية، فماذا يفعل هؤلاء الهاربون من الموت مع تلك الحاجات الملحة.

طوال طريق العودة إلى القاهرة لم يكن على لسانى سوى “امال اللاجئين بيعملوا ايه فى رحلات هروبهم دي”، هذا حالى فى رحلة للمتعة وباختيارى فشعرت بكل هذا التعب، بينما هؤلاء وبينهم أطفال صغار ورضع ومسنين يقضون أيام وأسابيع يركضون رغمًا عنهم فى ظروف مخيفة ودروب موت طويلة محرومين من أبسط وسائل الحياة، يودعون الأهل ويفقدون الأحباب تباعًا، يدفنون الراحلين منهم – التى أزهقت الرحلة أرواحهم – على طرقات لن يعودوا لها مرة أخرى فتبقى شواهد قبورهم بلا زوار، تستقبلهم دول بالعنف أو لا تستقبلهم، يعيشون أغرابًا بعد الونس والصحبة والوطن.

مراكب الموت
فى تجربة أخرى كان هدفها المتعة ولكن النتيجة انقسمت بالتساوى بين المرح والألم، فأنا أعانى من دوار البحر، مع خوف مرضى من السباحة فى مناطق عميقة، وأفضل دائمًا أن تلامس قدماى الأرض لأشعر بالأمان، قررت تحدى هذه المخاوف بالسباحة فى البحر الأحمر بينما يصل العمق لـ 30 متر ولكن للأسف كانت النتيجة إصابات مضاعفة فى ساقى نتيجة الاصطدام فى الشعب.

قررت ركوب مركب يشق عرض البحر فتمكن دوار البحر منى وفقدت كل رغبة فى البقاء عليه ولكن للرحلة موعد محدد للانتهاء فكانت ساعات الانتظار مؤلمة ومرهقة، فوجدتنى مرة أخرى وأنا مستلقية على أرض المركب انشغل بما يختبره الهاربون فى قوارب الموت فى ظروف أقرب لأفلام الرعب، وأقارن بين ما اخترت اجتيازه إما للمتعة أو لإثبات شئ ما لنفسي، وبين من لم يكن لهم حق الاختيار، وخوضهم هذه التجارب فى محاولة للهرب من الموت تحت القصف بطريقة أخرى يطاردها الموت.

أخى السورى تقبل اعتذار سوء تقديري، لا يمكن لأى بقعة أن تعوضك ما فقدته وهو الوطن، ولا أعرف أن كانت مصر أو غيرها ستوفر لك مستقبل أفضل أم لا، فهو حالى أنا أيضًا فى هذه الأرض، ولكن محبتى أنا وغيرى وربما سماء بدون طائرات حربية وأرض دون براميل متفجرة هى أقصى ما يمكن أن نقدمه لك، لعلك تجد راحة وأمان.

عن nemsawy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ليبيا.. انتشال 12 جثة من مقابر جماعية في ترهونة

انتشلت فرق تابعة لحكومة الوفاق الوطني الليبية، 12 جثة من أربع مقابر ...