قصة أشهر نصباية في تاريخ مصر

سلمى عبد الناصر
دهاء المصري وحنكته غالبا لا يظهران سوى في الاحتيال أو النصب، قد يقنعك بشراء الهواء، يحيك خطته ببراعة ليقنعك بشراء بضاعته التي في الأغلب ستكون مجرد “نصباية”.

اختلفت الأزمنة والعصور وبرعت طرق المصريين في النصب والاحتيال، وفي أطرف واقعة نصب شهدتها مصر قديما، منذ أكثر من خمسين عاما، باع مواطن التروماي لأحد القرويين، مستغلا طيبته وعفويته، فأخذ منه نقودا وجعله يوقع على كمبياله بباقي المبلغ، لشراء تروماي العتبة الخضراء بـ200 جنيه.

وقف رمضان أبو زيد وحفظ الله سليمان في شارع قصر العيني منتظرين قدوم الترام، ظهر رقم 30 على الترام القادم فركبه الاثنان معا، تفحص رمضان ذلك الرجل القروي الذي تبدو على ملامحة الطيبة والسماحة، فبدأ في تجاذب أطراف الحديث معه وبذكائه عرف عنه أنه جاء إلى القاهرة بحثا عن العمل بعدما ترك قريته وحمل نقوده لبدء حياة جديدة في القاهرة.

عمل رمضان على كسب ثقة ذلك الراكب المغترب، فبدأ في عرض وظائف عمل عليه، إلا أن الأخير رفضها، وأثناء الحديث بدأ الترام في الازدحام، الأمر الذي أزعج الرجل القروي فبادره رمضان بعرضه قائلا: “تشتريه؟”.

لم يحتج رمضان لوقت طويل لإقناع ذلك القروي بشراء الترام، فذهبا معا إلى مكتب محامٍ صديق لرمضان، الذي اتفق معه على كتابة عقد بيع الترام مقابل 200 جنيه، فقال “حفظ الله” إنه لا يمتلك هذا المال، فلم يترك رمضان زبونه يمر من بين يديه، وقال له: “لولا إني بلدياتك مكنتش بعته بأقل من 1000 جنيه”، واتفق الطرفان على دفع 80 جنيها وكتابة كمبيالات بـ120 جنيها.

خرج الرجل القروي برفقة رمضان، تملؤه الحماسة، تحدق عيناه انتظارا لقدوم الترام رقم 30، فلمحه من بعيد فأخذ يهلل في الشارع، ركب الاثنان معا، واتجه رمضان إلى الكمسري وقام بمنحه قرش صاغ في حين أن التذكرة كان ثمنها 8 مليمات وطلب منه أن يحتفظ بالباقي لنفسه، مقابل أن يهتم بقريبه القروي الذي سينزل في نهاية الخط، واستكمالا لخطته لينهيها ببراعة قام الكمسري بشكر رمضان مما زاد من يقين الرجل القروي أنه اشترى الترام من صاحبه.

ربت رمضان على كتف زبونه القروي البسيط، قبل أن ينزل محطته، وأخبره أن يظل إلى نهاية الخط ليطلب من الكمسري كل المتحصل، وصاح في الحضور قائلا: “تطالبه بجميع الفلوس وإلا نلغي البيع”، هز “حفظ الله” رأسه في إيماءة تدل على الموافقة، وتعجب الركاب منهما فظنوا أنها صفقة بيع بين اثنين أقرباء على قطعة أرض، ونزل رمضان من الترام مودعا زبونه بعد نجاح خطته.

ومع نهاية الخط، طلب “حفظ الله” من الكمسري أن يحصل على الإيراد، ليصاب الرجل بالدهشة من طلبه ويشتبك معه ليذهبا معًا إلى قسم الشرطة.

وكان رمضان أبو زيد ذو الـ27 ربيعا صاحب سجل سوابق لدى الشرطة، فلم تستغرق وقتا طويلا للقبض عليه، ليقضي عامين ونصف العام في السجن، ويصبح كالنجم على غلاف الصحف.

تم تجسيد شخصيته في فيلم «العتبة الخضراء»، والذى تم إنتاجه فى عام 1959م، ليقوم ببطولته فنان الكوميديا الراحل «إسماعيل يس».