الرئيسية / Slider / من خزانة الذاكرة – ليلة وفاة الزعيم

من خزانة الذاكرة – ليلة وفاة الزعيم

بقلم حسن بارود
في مثل هذا اليوم الثامن والعشرين من سبتمبر قبل 51 عاما عدت من مدرستي الثانوية في كفر شكر إلى بيت أسرتي حيث تناولت الغداء واستمعت إلى نشرة أخبار الثانية والنصف من إذاعة البرنامج العام من مذياع “ترانزستور” ياباني الصنع، إذ لم تكن قريتي قد عرفت الكهرباء بعد، ومن ثم لم يكن في القرية سوى جهاز تلفزيون واحد في نادي القرية –مركز الشباب- يعمل بالبطاريات، كنا نتابع من خلاله مباريات كرة القدم وخطب الرئيس جمال عبد الناصر، وفي ليالي الخميس أفلام السهرة التي تبثها القناة الأولى، كل ذلك مقابل قروش قليلة يدفعها غير الأعضاء للإنفاق على شحن بطاريات التلفزيون، وتحسين الدخل المادي للنادي الذي كان قد أنشئ في القرية منتصف ستينيات القرن الماضي وكان مقره المضيفة التي تشترك في ملكيتها أسرتي مع عدد قليل من أسر القرية من الأقارب.
في تلك الأيام كان من عادتي بعد أن ننتهي من تناول غدائنا أن أتوجه إلى حجرتي ومعي نسخة من صحيفة الأهرام لقراءتها في سريري، وكذلك إلى الاستماع لبعض برامج محطة الإذاعة البريطانية باللغة العربية، وربما إذاعة مونت كارلو أو صوت أمريكا، قبل أن يغلبني النعاس وأستريح من عناء يوم دراسي، لأصحو من نومي قبيل غروب الشمس، فأتوجه إلى مسجد القرية لأصلي العصر ثم المغرب، ثم أعود إلى البيت لأعد لسهرة المذاكرة بعد تناول وجبة العشاء.
لم يكن المذياع يفارقني طوال الليل، حيث كنت أحرص على الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم يوميا من الساعة الثامنة مساء وحتى موعد نشرة أخبار الثامنة والنصف، ثم تنتهي علاقتي بمتابعة السياسة – إلا في فترات التوتر السياسي – حتى الواحدة والنصف صباح اليوم التالي، موعد حصاد اليوم الإخباري من محطة البرنامج العام، أما ما بين التاسعة مساء والواحدة والنصف صباحا فكنت أستمع فيه إلى مقطوعات من الموسيقى الكلاسيكية يذيعها البرنامج الموسيقي، أو البرنامج الثاني الذي كان متخصصا في الأمور الثقافية، أو أغنيات فيروز ومسرحياتها الغنائية على المحطات العربية كالسورية أو الأردنية أو اللبنانية.
الغريب أنني كنت الوحيد بين أقراني في هذه المرحلة العمرية الذي كان يهوى تلك الألوان من الموسيقى بجانب ما يستمتع بسماعه من موسيقى وأغان شرقية وغربية.
مساء يوم الثامن والعشرين من سبتمبر سنة 1970 استيقظت على غير عادتي متأخرا، إذ كان الظلام قد لف الفضاء الفسيح خارج غرفتي في الطابق العلوي، فتدبرت مواقع أقدامي وأنا أغادر سريري في الغرفة المظلمة إلى ظلام أوسع حتى لمست المكتب الذي كان عليه المذياع فحركت مفتاح التشغيل فإذا بي أسمع ترتيل القرآن الكريم، فاعتقدت لأول وهلة أنها تلاوة الثامنة مساء، فدققت النظر على ساعة يد “جوفيال” بأرقام فسفورية تضيء ليلا تلتف حول معصمي فأدركت أننا قبل تلاوة قرآن الثامنة، فحركت مفتاح مؤشر المحطات لأجد كل المحطات المصرية، البرنامج العام والشرق الوسط والشعب وصوت العرب تذيع تلاوة قرآنية، فانقبضت نفسي للحظة، وتوقعت أمرا غير عادي، ربما انقلابا عسكريا مثلا، حملت المذياع وهبطت في الظلام الدامس درجات سلم البيت التي أحفظها عن ظهر قلب لأرى أسرتي ملتفة حول مصباح يضاء بالكيروسين، ولا يدري أحد منهم ما قد يكون حدث، فقلت لأبي إن كل محطات الإذاعة تذيع تلاوات من القرآن، حتى محطة أم كلثوم فقد توقفت عن إذاعة أغانيها، فاستغرب للأمر وقال:” خير اللهم اجعله خيرا”!.
وضعت المذياع على رف من رفوف ردهة المنزل، بينما أتلقى كلمات أمي المتسائلة إن كنت سأتناول معهم طعام العشاء، لأنهم انتظروني حتى أصحو من نومي، فأجبت باقتضاب:” ليس الآن”!، وغادرت البيت.
خرجت إلى الشارع وقد بددت إضاءته الشاحبة التي تخرج من فوانيس تضاء بالكيروسين أيضا بعضا من ظلمة الليل الدامسة متوجها إلى النادي الذي يبعد نحو 300 متر عن بيتنا فوجدت عشرات من الشباب والشيوخ ملتفين حول مذياع المقهى الملحقة بالنادي في انتظار إحضار مفتاح دولاب حفظ التلفزيون؛ فإذا بالمسئول عن التلفزيون يخبرنا أن البطاريات “فاضية”، ولم يتمكن من شحنها!
مرت لحظات من القلق والتكهنات حول ما عساه يكون قد حدث. ثم جاء صوت المذيع يعلن عن إلقاء بيان هام للسيد أنور السادات نائب رئيس الجمهورية، حيث نعى السادات للمصريين والأمة العربية رجلا من أعز الرجال وأشجعها….. الرئيس جمال عبد الناصر! فأجهشنا جميعا بالبكاء العفوي، وترحمنا عليه ونحن مازلنا غير مصدقين، فقد كانت أخبار جمال عبد الناصر تتصدر نشرات الأخبار طوال الأيام الأخيرة ومحاولات إطفاء حريق المعارك التي اندلعت بين الفلسطينيين والجيش الأردني، وانعقاد القمة العربية الطارئة في القاهرة، وصور استقبال الرئيس لملوك ورؤساء الدول العربية، وصور توديعهم في مطار القاهرة وآخرها مراسم توديع أمير الكويت، فكيف يموت الرجل هكذا وبدون مقدمات لمرض أو إقامة في مستشفى.
كان الجو ملبدا بغموض لفه حزن غالبية نحو ألفين هم أهل القرية، عدا بضعة أفراد لا يتعدى عددهم الخمسين أو المائة ممن كنا نصفهم بالرجعيين من كبار الملاك، الذين أضاع عبد الناصر هيبتهم لدى المزارعين والفلاحين المعدومين الذين كان العمل لدى أولئك الملاك ربما المصدر الوحيد لرزقهم، بالإضافة إلى اضطرارهم للسفر كعمال تراحيل بعيدا عن القرية للعمل في تنظيف وتطهير الترع ومجاري المياه في دلتا نهر النيل، أما الآن فقد تحسنت ظروف معيشتهم، فمنهم من ترك القرية ليلتحق كعامل بأحد المصانع الحربية، ومنهم من حصل على وظيفة في إحدى المدارس كساعي أو فرّاش” ومنهم من التحق للعمل بالجمعية التعاونية الزراعية، وآخرون ببنك التسليف الزراعي، وغيرهم في المجالس المحلية، والمستشفيات والوحدات الصحية التي انتشرت في قرى مصر خلال نحو عقدين من السنين، وقد التحق أبناؤهم بالمدارس وأصبحوا مجاورين لأبناء كبار الملاك وعلية القوم على مقاعد المدارس، وفي جامعات مصر وكلياتها العسكرية والشرطية، بل إن من أبناء أولئك الفقراء من كان قد تخرج من مدرسة المعلمين وجامعات مصر وصار معلما أو مهندسا أو طبيبا أو ضابطا.
غادرت التجمع البشري داخل النادي وتوجهت إلى بيت صديق لي كنا لا نفترق إلا عند الذهاب للنوم، إذا لم نقرر النوم في بيت أحدنا، فرأيت الوضع في بيت شوقي لا يختلف كثيرا عنه في بيتنا وبيوت معظم أهالي القرية، ثم انتحيت بشوقي جانبا وهمست في أذنه بأنني قررت أن أشارك في جنازة الرئيس في القاهرة، فهل يرغب في مصاحبتي، فما كان منه إلا أن قال:” رجلي على رجلك!”
خرجت مع شوقي من منزله وعلى بعد 50 مترا توقفنا أمام بيت صديقنا المشترك رضا فرج الله الذي كان يكبرنا ببضعة سنوات وكان واجما مهموما تتساقط الدموع من عينيه فسار معنا متجهين إلى بيتنا حيث يمكن لنا أن نناقش ترتيبات السفر إلى القاهرة بعيدا عن عيني وأذني والد شوقي الذي كان حتما سيرفض فكرة السفر، فعرضنا الأمر على والدي الذي سأل عن موعد السفر فأجبنا بأنه سيكون الليلة التي تسبق يوم تشييع الجثمان، وأكدنا أننا سنتوجه إلى بيت ابن عمتي عبد الباسط رضوان في 11 شارع الرشيدي بالمنيرة وهو الشارع المقابل للقصر العيني القديم – الفرنسي حاليا- فأبيت عند ابن عمتي بينما يبيت رضا وشوقي لدى خاله الساكن في نفس الشارع، فلم يرفض أبي الفكرة، لكنه أصر على استئذان جد شوقي وأبيه، وعرض مساعدته بفتح الموضوع مع جد شوقي الذي يراه في صلاة الفجر كل يوم، وقد كان حيث أبدى جد صديقي تحفظا في البداية، لكنه وافق بعد تأكده من أننا لن نبيت في الشارع ولكن عند ابن عمتي وخال حفيده.
علمنا أن الدولة قررت نقل الراغبين في المشاركة في جنازة الرئيس عبد الناصر بقطارات السكك الحديدية والحافلات مجانا، الأمر الذي يعني تكدس المواطنين في وسائل المواصلات طوال الفترة التي تسبق موعد الجنازة، فقررنا السفر رغم ما كنا نتوقعه من مشقة.
انتقلنا من قريتنا “المنشاة الصغرى” إلى بنها في الأتوبيس ” الدائري” الذي تنتهي رحلته بالقرب من محطة بنها الرئيسية، ثم تمكنا من “حشر” أنفسنا داخل إحدى عرباته التي لم يكن يظهر منها سوى أجساد المصريين على الأبواب والنوافذ وفوق أسطحها، وبعد ساعة أو أكثر انتهت بنا الرحلة داخل محطة مصر فخرجنا إلى ميدان رمسيس لنجد الميدان والشوارع المؤدية إليه مكتظة بالجماهير، فاقترحت على صديقي أن نسير على الأقدام إلى حيث نريد، فسألني إن كنت أعرف الطريق فأكدت له ذلك.
وصلنا إلى بيت ابن عمتي وقد انتصف ليل القاهرة، وسألني شوقي في تردد قبل أن نطرق باب الشقّة، إن كان أهل البيت ” لسّه صاحيين” ؟، فقلت “ومن سينام الليلة في مصر كلها”؟!. فوجئ أهل البيت بنا نقف أمام الباب مرهقين، فظنوا أن أحدا من أهلنا في القرية توفيّ، وأننا جئنا لإبلاغهم، فلم يكن الهاتف قد ركّب في شقتهم الجديدة التي انتقلوا إليها قبل شهور، وتركوا الشقة القديمة في نفس الشارع لخال شوقي زوج شقيقة زوجة ابن عمتي، فأجبنا بأن الأهل في القرية بخير، وأننا هنا لنشارك في جنازة الرئيس غدا.
كانت مشقة وعناء سفر يوم كامل بادية على وجوهنا، فقدمت ربة البيت لنا طعام العشاء، ثم نصحنا رب البيت بالتوجه مبكرا صباح الغد إلى ميدان التحرير، حيث سينقل الجثمان من مبنى مجلس قيادة الثورة على الجانب الآخر من النيل إلى مدفن الرئيس في المسجد الذي بناه عبد الناصر في شارع الخليفة المأمون بالقرب من منزله ووزارة الحربية.
كان ابن عمتي يشغل آنذاك مدير عام الحسابات للمصانع الحربية التي أقامها عبد الناصر، وقد ساعد ابن عمتي هذا عشرات من أهل قريتي البسطاء في الحصول على وظائف في العديد من المصانع، أغلبهم عينوا في حلوان و”الهايكستب” وبنها، ليصحبوا عمالا “بشنّة ورنّة”، بعد أن كانوا عمال تراحيل معدومين، ومثله فعل ابن عمتي الآخر إدريس خضير الذي ساعد عشرات أيضا للعمل في الجمعية التعاونية للبترول، وآخر بمؤسسة دار الشعب.
أما الأستاذ خالد محيي الدين عضو مجلس إدارة الثورة ونائب الدائرة في الاتحاد الاشتراكي ومجلس الأمة ثم الشعب لعقود طويلة، فقد كان له نصيب الأسد في مساعدة المئات من أبناء كفر شكر والقرى المحيطة على التوظف في مختلف القطاعات.
ربما كان انتماء عدد من السياسيين البارزين في ذلك الوقت لكفر شكر والقرى المحيطة بها مثل السيدين زكريا وخالد وفؤاد محيي الدين ومعهم بعد ذلك الدكتور مصطفى خليل، والمهندس سيد مرعي، وكذلك الأستاذ كمال الدين حسين الذي نشأ في بنها عاصمة محافظتنا القليوبية، جعل ارتباط أهالي محافظتنا عموما وكفر شكر ومحيطها خاصة بالثورة وآثارها على حياتنا اليومية أكثر عمقا وجعلنا أكثر قربا من الرئيس عبد الناصر ورفاقه.
والحقيقة أن الأستاذ خالد محيي الدين كان الأقرب إلى قلوب أهل المنطقة، إذ كان كثير التردد على القرى والالتقاء بأهلها، كما أنه خصص مكتبا في القاهرة لاستقبال أهل دائرته وكل من يرغب في مساعدة لحل مشاكل الناس، وقد ظل هذا المكتب مفتوحا حتى بعد خروجه من مجلس الشعب في انتخابات 2005.
في طريقنا في الصباح الباكر ليوم جنازة الزعيم سألني شوقي إن كنت مازلت أحتفظ بالصورة التي أرسلتها لي سكرتارية رئاسة الجمهورية للرئيس جمال عبد الناصر تلبية لرغبة أبديتها في رسالة بعثت بها لرئاسة الجمهورية وأنا في الحادية عشرة من عمري – عام 1965- أرجو فيها إرسال صورة شخصية للرئيس جمال عبد الناصر، ثم فوجئت بعد أسبوعين أو ثلاثة من إرسالي هذا الخطاب برد من سكرتارية رئيس الجمهورية بداخله صورة للرئيس بتوقيع جمال عبد الناصر، فأجبت شوقي بأنني رأيت هذه الصورة آخر مرة قبل نحو عامين وقد تركت عليها بصمات مئات الأصابع للعشرات من زملائي وأصدقائي وأقاربي، الذين شاهدوها معي.
في مسيرة الجنازة تقاذفتنا أمواج المشيعين وكنا جميعا لا نتوقف عن البكاء والهتافات، وأتذكر أن آخر نقطة تمكنّا من الوصول إليها كانت أمام دار القضاء العالي، ثم استطعنا بعد لأي أن نصل إلى مبنى محطة مصر وقد كان الظلام قد حل على عاصمة مصر وعبد الناصر مدفون داخل مسجده، لتبدأ رحلة العودة إلى القرية التي وصلناها قرب منتصف الليل حيث كان أتوبيس القرية قد عاد من آخر رحلاته قبل ذلك بكثير، فقررنا السفر من بنها إلى كفر شكر التي تفصلها عن قريتنا مسافة نحو 3-4 كيلومترات مشيناها على الأقدام، لكننا مع ما أصابنا من إرهاق أحسسنا بأننا أدينا واجبا كان علينا أن نؤديه نحو رجل لم نشعر يوما من الأيام أنه ليس منّا، فالمدارس التي التحقنا بها، وما كان لأكثرنا أن ينال مثل هذا الحظ قبل ذلك، والجامعات التي كنا نتطلع ونشتاق إلى الدراسة فيها، والمصانع التي يعمل بها أقاربنا، والوحدات الصحية ومراكز الشباب التي انتشرت في قرانا، والأراضي الزراعية التي حصل عليها بعض من كانوا معدمين، وتركوا القرية ليصبحوا ملاكا في مديرية التحرير، وأتوبيس السينما الذي كان يتردد على القرية مرتين على الأقل كل عام ليشاهد الفلاحون أفلاما ما كان لهم أن يشاهدوها خارج قراهم، وحتى ذلك الأتوبيس الذي كان يربط القرى في أطراف القليوبية بعاصمتها كان من مكتسبات الفلاحين، وغير ذلك الكثير والكثير.
نعم، كنا على يقين أن عبد الناصر كان واحدا منّا، عاش من أجلنا ومات من أجلنا ومن أجل غيرنا…….

عن nemsawy

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شروط الحصول على التأشيرة السياحية لمدة خمس سنوات في «الإمارات»

أعلنت دولة الإمارات، شروط الحصول على تأشيرتها، مشيرة إلى أنها أتاحت للأجانب ...