الرئيسية / بانوراما نمساوى / “واحد من العيلة”.. أسرة صعيدية تدفن حصانها وتتلقى فيه العزاء

“واحد من العيلة”.. أسرة صعيدية تدفن حصانها وتتلقى فيه العزاء

تصوير – نسيم عبد الفتاح:

قيل في الآثر الزمن يُنجي من الذكريات، يمحي كل شيء رويدًا، لكن تلك ليست قاعدة، من يحب لا ينسى، لذا ماتزال عائلة جبران في مدينة إدفو بأسوان تتذكر حصانها “ابن الأصول” رغم مرور 5 سنوات على وفاته، سيرته حاضر في مجالسهم، أشياؤه محفوظة في بيوتهم، نوادره تمنح عيونهم لمعة، يحنو إلى أيامه فتغالبهم دموعهم، خاصة يوم وفاته، حين قاموا بتغسيله وتكفينه ودفنه داخل مربطه لتظل الواقعةحديث المدينة حتى الآن “كان حد عزيز علينا، حد صاحبنا” كما يقول أحمد جبران، ابن مالك الحصان.

في أحد الصباحات العادية عام 2013، ساعة الظهيرة لكن السماء غائمة، يتحرك ابن الأصول أمام مربطه، يصطدم فجأة بسلك كهرباء عاري، ينتفض، يسقط على الأرض بغتة، يخشى الحضور الاقتراب من جسده، يرتجف الحصان، الحياة تنسحب من جسده وعيناه، من بعيد يظهر الرجل الخمسيني-أحمد- يهرول نحوه، يحذرونه من الكهرباء لكنه ينكب على الحصان “بقيت بملس عليه، أطمن، أقولهم مفهوش حاجة، بس كان مات”.

صدمة كبيرة، حشد من الناس حول الجثمان، لا أحد يصدق ما جرى، حزن يلف الأنحاء لكن ألم لا يمكن إيقافه اخترق قلب أحدهم “محمود جبران” خيال الحصان لسنوات، الدموع تغرق عيناه، 10 سنوات من “العِشرة” تمر من أمام عيناه، فيما يتسأل الحضور “هنعمل فيه إيه؟” جائت الإجابة سريعة وحاسمة “ابعتوا اشتروا كفن لابن الأصول.. غسلناه وكفناه وكحتنا البركة بتاعته، وريحناه راحة تامة كأننا بنريح بني آدم في ترتبه”.

حين سُمع بخبر وفاة الحصان، حضر الناس من كافة المراكز والقرى بمحافظتي قنا وأسوان لتقديم العزاء “ناس كتيرة أوي جات، من بمبان ودراو وفارس وحصايا وإسنا والسباعية وغيرهم، تقول مخلف (ربنا يعوض) خدنا يمكن عشرة أتناشر يوم الناس تاجي” حين يعلموا بدفن الحصان داخل مربطه في أحد بيوت العائلة يصرون على إطلاق نظرة أخيرة على “ابن الأصول” فيما يتحدثون عن صولاته وجولاته في سباقات “المرماح” الصعيدي “مش هياجي زيه تاني، حصان مفيش زيه” كما يذكر خيال ابن الأصول.

سيرة ابن الأصول بدأت حين اشتراه من الشرقية أحد أقارب الأسرة رفقة حصان آخر، لاحظ إصابته في قدمه، نصحه الناس ببيعه سريعًا أو التخلص منه، احساس غمر كبير العائلة “جبران” دفعه إلى طلب امتلاكه “اشتريناه في 2003، وفضل 7 شهور بنطبب في رجله” حتى تماثل للشفاء “وبقينا بنمشيه خفافي، وشوية شوية بنخليه يشارك في المرماح (سباق الخيول)”.

عُرف الحصان وسط عائلات محافظتي أسوان وقنا، بكونه معجزة لا تتكرر “شارك في 17 سبق، كسبهم كلهم” لديه طريقة ثابثة في السباقات، يجري دون صخب، لا يهتز حين تسبقه باقي الخيول، وفي الأمتار الأخيرة يعلو صهيله وينطلق بسرعة هائلة فيسبق الجميع ويفوز “بقى له جمهوره، وينادوا عليه يا ابن الأصول يا بطل، يشهد عليك الجبل” كناية عن المنطقة التي تستضيف المرماح.

هناك قصة يرددها الكثير عن حفيد “جبران” كيف تعلق قلبه بالحصان مبكرًا، ذات مرة ذهب إلى أحد السباقات رفقة أطفال العائلة على جرار يملكه الجد، كان السباق محتدمًا، أفضل الخيول تنافس ابن الأصول، العائلات الأخرى تحاول تشتيته بالاقتراب منه فجأة، صخب وغبار وطقس حار لكنه يمر من الجميع، فقط حصان واحد لم يتمكن من تجاوزه، مسافة صغيرة تفصلهما عن خط النهاية، ابن الأصول متأخر، يبكي الحفيد-كما يروي- أغمض عيناه لا يريد رؤية لحظة الخسارة “اتفاجئت بهيصة والناس بتنادي على اسمه، فتحت عنيا لقيته سبق وكسب، إزاي عملها مش عارف!”.

غلاوة ابن الأصول لم تنشأ من فوزه بالسباقات فقط، له مخزون كبير من الذكريات الحلوة، محمود الذي تربى رفقة الحصان وبات الأقرب له بعد كبير العائلة كان يقضي رفقته لحظات فريدة “لما أكون مضايق أروحله، يجعد جنبي، يحسس علي رأسي، كأنه واحد صاحبي وبيقولي مالك فيه إيه؟” يوميًا يسيران سويًا في الطرقات، لا يستحم داخل مياه النيل إلا بيد “محمود” يبتهج كأنه طفل صغير.

المحبة متبادلة بين الأسرة وابن الأصو، كبيرهم يعتني به جيدًا رغم كبر سنه، يزوره يوميًا، يحرص على إطعامه بيديه “كان يجبله أحسن شيء، ويشتريله بسكويت يلجمهوله في بُجه عشان ابن الأصول يتبسط” لذا حين منعه المرض في أيامه الأخيرة من الذهاب إلى مربط ابن الأصول، فوجئت الأسرة بمغادرته المكان “فلت ابن الأصول وراح على المندرة، مسافة بعيدة لوحده، أول ما وصل دخل دماغه من الباب وجعد ينفر كأنه بيناديه” لم يستوعب الأمر، لكن الأب “قعد على حيله سندناه، وفضل يملس على رأس الحصان وجسمه”.

قبل أيام من وفاة “جبران” في 2010، جمع أولاده الأربعة، قال وصيته الأخيرة، اختص ابن الأصول في حديثه “وصانا عليه، خلي بالكم من الحصان” وحين غادر الحياة رفض الحصان تناوله طعامه لأيام “أتاثر، عايز يشوف الحاج مبيشوفوش، تروح الحوش تلاقيه واجف زي زول يتيم جاعد بيبكي”.

ظل الجميع على العهد، يتبادلون زيارته وإطعامه مثل الوالد “بقى لما يشوفني يبقى كويس ويحنحن عليا زي ما كان بيعمل مع أبويا” يقولها الرجل الخمسيني، فيما يُعدد ابنه اهتمام الجميع وقتها بالحصان “اللي رايح واللي جاي من الأرض لازم يديله حاجة يأكلها، وكان في واحد جارنا ميروحش الشغل إلا لما يبص عليه ويسقيه مايه”.

حين مات ابن الأصول في 2013، تسابق الجميع على “أي حاجة من ريحته” حصل أحمد جبران على السرج واللجام “حاجته لسه جاعدة، عمرنا ما نحطها لحصان تاني” بينما اقترب محمود من الحصان قبل دفنه “كان عنده ضفيرة جصيناها، حاطينها في البيت ذكرى، ومحتفظ بالصور بتاعته معايا، منقدرش نفرط فيها”.

من حين لآخر يأكل الحنين قلب “محمود” يذهب إلى مدفن ابن الأصول، يُخرج الصور التي التقطت لهما “بيجي في بالي وأطلع الصور وأجعد أبص فيها” يتمنى أن تعود أيامهما من جديد، يُغمض عيناه ويفتحهما متمنيًا أن يكون غياب خليله مجرد كابوس “بتمنى في كل لحظة إني أشوفه، ياريت ربنا يرجعه لينا تاني، أو يدينا حصان مثله، ونحبه نفس الحُب” يقولها بينما تدمع عيناه.

حاولت الأسرة شراء أكثر من حصان لملأ الفراغات التي تركها ابن الأصول لكن لم يحدث ذلك، غير أن محاولاتهم استمرت، ومنذ أيام ذهب الحفيد في مهمة إلى الشرقية بحثًا عن حصان من نفس سلالة “ابن الأصول” بحث طويل أفضى إلى العثور على مُهر صغير “شبه ابن الأصول بالظبط ويعتبره جده في السلالة” اشتراه على الفور، وتم الاتفاق على نقله في الأيام القادمة “ناوين نسميه ابن الأصول ويارب يبقى فيه منه فعلًا”.

عن nemsawy

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شاهد معنا بالفيديو: زوجة وائل الابراشي: تعرض لخطأ طبي

الطبيب المعالج لـ وائل الإبراشي يكشف: «كورونا تسبب في تليف 60% من ...