Categories
Slider أخبار الجاليات حسن بارود

الساسة ونباتات الظل

هذا المقال كتبته في فبراير 2014:
بقلم حسن بارود
ذات يوم في صيف 1999 طلبني الدكتور مصطفى الفقي، سفير مصر الأسبق لدى النمسا، على الهاتف، وسألني عما كنت أفعل، فأجبت بأنني أقرأ الصحف النمساوية، فطلب مني أن أتوجه إليه في مكتبه، فتركت مكتبي وما كان بين يدي وتوجهت إلى مكتب السفير، فإذا به يناولني بضعة ورقات عليها مقال له بعنوان “الخيل والبغال والحمير!”، كان قد انتهى لتوّه من كتابته ويفكر في إرساله إلى صحيفة الأهرام لتنشره، قرأت عنوان المقال واتجهت بنظري إلى السفير، الذي بادرني بقوله:” اقرأه أولا، ثم قل رأيك!”.
قرأت المقال وقلت:” لن ينشر الأهرام هذا المقال، إن كان يريد لك خيرا، أما إذا أراد التخلص منك ككاتب وكسياسي، فسينشره”!
سألني السفير:” ولماذا؟!، فأجبت لأن في المقال إسقاطا على كل المسئولين في مصر، فقد ربطت بين أدائهم لمسئولياتهم وصفات الخيل أو البغال أو الحمير، فالحصان يتسم بالأصالة والكبرياء مع بهاء الطلعة وارتفاع المكانة، وقدرة على الدخول في منافسات ومسابقات، أما البغل الذي هو هجين بين الخيل والحمير، فقد يكون قويا وقادرا على حمل أو جر أثقال، وهي صفات اكتسبها من أبيه الحصان، ولكنه لن يستغني في نفس الوقت عن صفات أمه “الحمارة” كالغباء والبرود وتحمل المذلة والمشقة.
أضفت: ” صحيح أن حضرتك اتخذت الآية الثامنة الكريمة من سورة النحل: ” والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون”، كفكرة رئيسية للمقال، ولكن كل من على رأسه “بطحة” من المسئولين في مصر سيرى نفسه واحدا من تلك الحيوانات ، حتى الذين يرون في أنفسهم خيلا لن يكونوا راضين عن وصفهم بها، لأنهم سيرون أنفسهم “مركوبين” من رؤسائهم، أو كقطع الزينة لتجميل صورة النظام الحاكم، ناهيك عن غضب أولئك من البغال والحمير، لتدني مكانتهم في عالم الحيوان، وعالم السياسة على حد سواء”!
بعد مناقشة مستفيضة للمقال لم تخل من الفكاهة، قرر الدكتور الفقي أن يؤجل إرسال المقال إلى الأهرام، حتى عاد إلى أرض الوطن في سبتمبر من نفس العام، ثم نشر بعد ذلك بعدة شهور، لكن ربما بعد تعديلات “تجميلية طفيفة” خففت من إسقاطات سياسية مباشرة مع بقاء الفكرة الرئيسية للمقال وهي مقارنة سلوكيات وتصرفات البشر بالحيوانات الثلاثة التي تنتمي إلى سلالة واحدة كما كان المسئولون والسياسيون ينتمون آنذاك إلى حزب سياسيي واحد هيمن على الحياة السياسية في مصر.
لم أكن أدري أن المصريين سيضيفون بعد أحداث يناير 2011، ويونيو 2013 صنفا آخر من الحيوانات وهو الخراف إلى قائمة توصيف السياسيين في مصر، ولكن من يعرف المصريين لا يستغرب قدرتهم على الابتكار في بعض الأمور!
أما الآن وبعد متابعة دقيقة لتدفق وتتابع الأحداث والمواقف في مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية، رأيت أن أتجنب إقحام الحيوانات في الشأن السياسي المصري، وفضلت أن أبحث في عالم النبات عن متشابهات لشخصيات سياسية مصرية معاصرة دون أن أذكر أيا منها باسمه.
هناك أصناف من النباتات تسمى نباتات الظل، تنمو وتزدهر في أماكن مغلقة، لكنها لا تخلو من الضوء اللازم لنموها، ولا تتعرض فيه مباشرة لحرارة الشمس وتقلبات الطقس من عواصف ورياح وأمطار ورعد وبرق. وفي العادة توضع هذه النباتات في المكاتب ومداخل وغرف البيوت والشركات والمصالح العامة لإضفاء مسحة جمالية على المكان، وزيادة نسبة الأكسجين في تلك الأماكن، لكنها تذبل وتحترق إذا تعرضت للظروف الجوية والمناخية الطبيعية خارج تلك الغرف المغلقة.
وجه الشبه هنا بين نباتات الظل وبعض المشتغلين بالسياسة واضح وجلي، لأن الاشتغال بالسياسة لا يمكن أن ينجح داخل غرف مغلقة ومكيفة، وإنما يتطلب تعرض صاحبه لكل ظواهر المناخ الاجتماعي والسياسي بما يواجهه من مشاكل تستلزم حلولا، يحتاج تنفيذها إلى رؤية وبصيرة وجلد وقوة وقدرة على التنفيذ، وكذلك مهارة في تسويق السياسات لدى الجماهير. فالسياسة إذن هي فن القدرة على الحكم، والحكم يتطلب من الساعي إليه مواصفات تؤهله لتحمل مسئولية ومشقة العمل العام.
لذلك لم أفاجأ بفشل كثير من المسئولين في مصر خلال السنوات الثلاث الماضية، فقد كانت مهارات معظمهم منحصرة في التنظير اللفظي، سواء من خلال الحديث في الفضائيات أو نشر مقالات في الصحف، دون القدرة على الصمود في معترك العمل على الأرض، والنتيجة الحتمية لهذا العجز ستكون المطاردة والملاحقة الشعبية لهذا أو ذاك “المسئول الطّري”من خلال توجيه الانتقادات اللاذعة التي لا تخلو في كثير من الأحيان من قسوة وسخرية تربك وتحبط من يتعرض لها، بل “تحرقه سياسيا. والأمثلة كثيرة لا حاجة إلى طرحها مرة أخرى.
إن المتابع لسلوكيات وتصرفات “النخبة المصرية”، سياسية كانت أو إعلامية، أو حتى دينية، يجد أن كثيرا من أولئك المتصدرين للمشهد السياسي والإعلامي والدعوي في أغلبهم الأعم، ليسوا سوى نباتات ظل تنمو وتترعرع إمّا في غرف الفضائيات الظليلة، أو على أرائك الزوايا، والمساجد الطائفية، حيث يحصلون في الاستديوهات على ما يحتاجون من ضوء “صناعي” عبر أجهزة الإضاءة الساطعة لتلميع صورهم، وتبديد الظلمة التي تلف وجوههم وعقولهم، أو بالألقاب الدينية التي رخص ثمنها وهانت قيمتها بين الناس، بما يرددون من عبارات متورمة، ويتشدقون بألفاظ لا تغني من فقر ولا تشبع من جوع، أو في مقار أحزابهم الهزيلة – وإن كانت مكيفة ولا تدخلها الشمس- لأن وجوه أولئك الساسة وعقولهم تكاد تنصهر إذا تعرضت لأشعة الشمس وحرارتها، كما يخشون على بشرتهم من الاسمرار، لأنهم يحرصون على الظهور بوجوه شاحبة لا لون لها، حيث يفضل أغلب المصريين ذوي البشرة الفاتحة، تماما كما يفضل الناس نضارة نباتات الزينة، طالما بقيت في الظل داخل الغرف، أما إذا وضعت في الخلاء، فستحترق أوراقها وتتساقط زهورها، وتذبل سيقانها ويكون الفناء مآلها.
هذا في الأغلب الأعم هو حال من يتصدى للعمل السياسي والإعلامي أو الديني في مصر عبر وسائل الإعلام المختلفة، حيث يظنون- وأغلب ظنهم إثم- أن الإعلام كفيل بصناعة السياسة، وترسيخ العقيدة في نفوس وقلوب وعقول المصريين. أي أننا أمام أصناف من البشر لا تختلف كثيرا عن نباتات الظل القابعة خلف جدران بعيدة عن كل ما يؤثر عليها من مناخ خارج تلك الجدران.
ولمزيد من الإيضاح تعالوا نقيّم أحزاب مصر، فلن نجد سوى هياكل رقيقة البنية لا تقدر على الانخراط في مشاكل المصريين اليومية من بطالة وتدني في مستويات خدمات التعليم والصحة، والمواصلات العامة، وارتفاع أسعار كل ما يحتاجه البيت المصري من متطلبات حياته، ناهيك عن الاختناقات التي يعاني منها المصريون نتيجة للعجز في مواد الطاقة، وارتفاع نسبة التضخم، واستمرار غياب الأمن والأمان في الشارع المصري البائس.
أين الأحزاب المصرية مدنية كانت أو دينية من تبني مبادرات لحل أزمات ومشاكل المصريين على أرض الواقع وبعيدا عن منابر الزعيق والصراخ المختلفة؟
لقد جرب كثير من المتأسلمين طوال العقود الماضية التقرب من الجماهير بتوزيع السلع الغذائية على الفقراء وذوي الحاجة، كصورة من صور الزكاة، أو الصدقات، لكنهم لم ينفذوا مشروعا واحدا لتشغيل العاطلين من غير أتباعهم، وإنما سعوا إلى احتكار كل ما يعود عليهم وعلى تنظيماتهم بالنفع، وركزوا فتاواهم وأحكامهم على الحلال والحرام من وجهة نظرهم المتعصبة والمتشددة، ليحيلوا حياة المصريين إلى جحيم خنادق التعصب والتشدد، واغتصاب الدين وليّ ذراعه لخدمة منهجهم الأعور الساعي إلى تكفير من يخالفهم، وتقزيم من ينتقد سلوكهم.
لقد اكتفوا بالبقاء داخل جدران أفكارهم المنغلقة، التي لا ترى الدين إلا في ظلمة القبور بعد الموت ويوم القيامة عند البعث، مع أن شمس الدين تسطع للدنيا أيضا حيث كلّف الله الإنسان بأن يسعى في دنياه كما يسعى لآخرته.
لم يفكر المتأسلمون في طرح سياسة لتطوير وتحديث حياة المصريين، بقدر ما يهدرون من وقت وجهد في ترهيبهم من كل ما هو جديد وحديث يحقق الرخاء والازدهار والتقدم لشعب بلادهم، لتتبوأ مصر المكانة التي تستحقها بين الأمم.
روج المتأسلمون من خلف جدران التخلف التي يتحصنون داخلها لفكرة أن المرأة المصرية سلعة جنسية يفرغ فيها الرجل شهوته، وحرّموا عليها تولي مناصب قيادية في الدولة، وسعوا إلى تغليف جسدها وعقلها بجدار سميك من السواد والعتمة والظلام، ونسوا – وتناسوا- أن المرأة هي رمانة ميزان المجتمع؛ سواء داخل أسرتها الصغيرة أو بامتداد الوطن الفسيح، فهي التي تلقن أبناءها لغتهم، وتحافظ على عادات وتقاليد شعبها، وتربي مع زوجها أجيالا، إن أحسنا تربيتها، نهض المجتمع، وإن أفسداها فسد المجتمع وتخلف وانهار بنيانه الأخلاقي والحضاري على حد سواء.
أكتفي بهذا القدر من معاصي المتأسلمين تجاه الله الذي خلق الذكر والأنثى من نفس واحدها، وخلق منهما رجالا كثيرا ونساء، وتجاه المجتمع الذين يريدونه كما هم – مجتمعا أعور ومبتور الساق- يسير في الحياة بعين واحدة وعلى قدم واحد. أما السياسيون الآخرون ممن يطلقون على أنفسهم العلمانيين والمدنيين والليبراليين فأخطاؤهم أيضا فادحة في حق مصر والمصريين، إذ اكتفوا بمعارضة ورفض كل ما هو متأسلم، دون أن يطرحوا بديلا لما يرونه متخلفا، سواء في الفكر أو الفعل.
لم يطرح “تجار الأيدلوجيات ” أولئك رؤى وبرامج واقعية لحل مشاكل المصريين خارج الفضائيات أو على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما تعايشوا مع واقع افتراضي لا يختلف كثيرا عن قصور رمال على الشواطئ يشيدونها بكلمات وألفاظ دون سند من الواقع المصري الأليم.
إن مصر تحتاج إلى نوع آخر من الساسة، يعملون أكثر مما يتكلمون، يلتحمون بالجماهير في الشارع والحقل والمصنع والمدرسة وفي مستشفيات الدولة ولا يتأففون من استخدام وسائل المواصلات العامة.
مصر تحتاج إلى شباب يقتحم في جرأة وإصرار عرين المشاكل التي تعاني منها البلاد، كتلوث البيئة وأزمات الطاقة المتتابعة، لأن في مقدورنا أن نعظم القيمة المضافة من الموارد المتاحة، سواء كانت الشمس، أو الرياح، أو المياه، وهذه الجبال من المخلفات التي يمكن معالجتها وتدويرها بطرق علمية سليمة وبسيطة، لتعود بالنفع على بلادنا في صورة فرص عمل وطاقة نظيفة ومتجددة.
أما آفة الأمية التي لا يدرك كثيرون منا آثارها التدميرية على مستقبل هذا الوطن، فدور الشباب في حلها بأساليب غير تقليدية مطلوب وبإلحاح، فليبادروا بتشكيل فرق عمل في مدنهم وقراهم وأحياء سكنهم، لانتشال مواطنين من أقاربهم وجيرانهم وإخوتهم في هذا الوطن من مستنقع الجهل والتخلف، وفتح آفاق جديدة للوعي تحصنهم من ويلات العجز والفقر والعوز. أيها المصريون!
هذه بعض الأفكار حول حلول لبعض المشاكل، وتأكدوا أن كل المشاكل مهما كثرت قابلة للحل، إن أردتم!
حسن بارود
فيينا في 25 فبراير 2014

Categories
Slider أخبار الجاليات حسن بارود

من خزانة الذّاكرة: القمر ورغيف العيش!

بقلم حسن بارود

في مثل هذا اليوم الحادي والعشرين من شهر يوليو 2021 تحلّ الذكرى الحادية والخمسون لهبوط أول إنسان على سطح القمر، كحدث غير مسبوق في تاريخ البشرية.
في ذلك التاريخ 21 يوليو 1969 كنت على مسافة أيام قليلة من بلوغي سن الخامسة عشرة، وكنت قد أنهيت في شهر يونيو من نفس السنة مرحلة التعليم الإعدادي وعلى مشارف الالتحاق بمدرسة كفر شكر الثانوية العامة المشتركة التي كانت قد فتحت قبل عام واحد أبواب فصولها للبنين والبنات، حيث كانت المدرسة الجديدة الوحيدة في مركز كفر شكر والقرى المحيطة، بعد أن كان التعليم الثانوي العام متاحا فقط في بنها عاصمة محافظة القليوبية.

في ذلك الوقت لم تكن الكهرباء قد دخلت القرى بعد، وكانت شوارع قريتنا تضاء في الليالي غير القمرية منذ أوائل ستينات القرن الماضي بلمبات الكيروسين داخل فوانيس زجاجية مثبتة على جدران البيوت الريفية، كانت في القرية مدرسة ابتدائية وحيدة في شرق القرية، أما المدرسة الإعدادية فكانت في كفر شكر على بعد 5- 6 كيلومترات، كما كان بالقرية مسجدان؛ أحدهما الجامع الرئيسي الكبير في غرب القرية وآخر صغير في شرقها؛ وكانت الصحف اليومية والمذياع وسيلتي التواصل الإعلامي مع شئون مصر والعالم؛ أما التلفزيون فكان حديث العهد وقد اقتنى مركز شباب القرية ” النادي” الذي أنشئ في سنة 1965 بعد ذلك بسنة الجهاز الوحيد في القرية وكان يعمل ببطارية جافة ولسويعات محدودة مساء أيام الخميس والجمعة حيث نشرة أخبار الساعة التاسعة يعقبها فيلم السهرة أو في المناسبات الوطنية التي يلقي فيها الرئيس جمال عبد الناصر خطبه، وكذلك في نهار أيام الجمعة لمشاهدة مباريات كرة القدم التي تنقل على الهواء مباشرة، وربما حفلات السيدة ام كلثوم وحفلات عيد الربيع، وبالطبع كل هذا يتوقف على مدى كفاءة البطارية!

كانت المصاطب في الأمسيات الصيفية والليالي القمرية بمثابة المنتديات الأهلية التلقائية التي يتحاور الناس، في شرق القرية وغربها، خلالها حول شؤون حياتهم اليومية بالإضافة إلى ما تقتضيه الأمور أحيانا من أحاديث الغيبة والنميمة، قد حاولت استرجاع ذاكرتي لحصر اكبر عدد ممكن من مصاطب القرية آنذاك، إلا أن هذا المقام لا يتناسب مع ذكرها لآنها لا تعني سور تاريخ تطور القرية خلال العقود الستة الماضية حيث اختفت المصاطب، وجرى هدم كل البيوت التقليدية وبناء كتل خراسانية كعمائر وأبراج لتفقد القرية هويتها وتتحول إلى تجمع ممسوخ لا هو بالمدينة الحديثة، ولا بالقرية كما كانت مهذ قرون!
لذلك فسأحتفظ بقائمة مصاطب القرية في الستينيات لأهل القرية، أما هنا فسأشير إلى بعضها فقط.
من أشهر مصاطب ذلك الزمان مصطبة عائلة رضوان، وبالطبع لم تكن المصاطب داخل الحيز العمراني وحدها أماكن تجمع أهل القرية الذين كانت أغلبيتهم من الفلاحين فقد انتشرت مصاطب أخرى حول السواقي التي كانت تظلها أشجار الجميز والتوت والصفصاف الضخمة وحول “المصليات” المنتشرة على جانبي الترعة.

بالإضافة إلى المصاطب على كثرتها كانت هناك تجمعات تعقد في بيوت بعض أثرياء القرية خاصة في ديواني عائلتي فروح وسعد، وكذلك في مضيفتين كبيرتين؛ إحداهما في شرق القرية والأخرى في غربها حيث كانت تقام فيهما المآتم وسهرات رمضان والاحتفالات بعيدي الفطر والأضحى حيث يتجمع كبار العائلات المؤسسة بالمضيفتين لتناول وجبة الإفطار الجماعي التي ما زلت أتذكر عشرات المرات التي شاركت فيها مع أبي وأقاربي في هذه المناسبات.
بجانب ذلك كانت المساحات أمام بعض محلات البقالين والخياطين والحلاقين من الأماكن المحببة لعدد كبير من أهل القرية للتسامر.
نعم، كانت المصاطب وأماكن التجمعات الأخرى في القرية طوال قرون عديدة بمثابة مجالس أهلية لحل المشاكل الأسرية وخلافات الجيرة وكذلك كشبكة للتواصل الاجتماعي المباشر حيث تنتقل أخبار القرية من شرقها لغربها وشمالها لجنوبها خلال سويعات قليلة.
نعم لقد كانت مصطبة آل رضوان منبرا سياسيا بامتياز شهدت كل صيف حوارات ومناقشات كثيرة شارك فيها سياسيون ومفكرون ومثقفون من أبناء القرية مثل الدكتور أبوزيد رضوان وأخوته رضوان ونعيم وعبد العظيم والسيد وكلهم أبناء عمي وابن عمتي الدكتور عبد الباسط رضوان، وغيرهم من الأقارب مثل الأستاذ عبد الوهاب خضير وأحيانا الأساتذة صلاح وعبد الدايم وعبد الرازق جعفر، وحدث أكثر من مرة أن كان الأستاذ خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة ومجلس الأمة آنذاك الضيف الأبرز في تلك الجلسات الدسمة التي كان أغلب المشاركين فيها من اليساريين وقليل من الشيوعيين؛ وكم من مرة حضرت بعض الجلسات كمستمع جيد لما يدور من مناقشات وحوارات في السياسة الداخلية والخارجية لمصر والعالم العربي وإسرائيل وقطبي العالم في ذلك الوقت؛ الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، وبالطبع كانت مواقف ذلك الجمع من المتناقشين منحازة انحيازا كاملا لسياسة الاتحاد السوفيتي تجاه القضايا العالمية وخاصة أزمة الشرق الأوسط، نظرا لمواقف الولايات المتحدة الأمريكية المتحالفة مع إسرائيل صراحة قبيل وبعد حرب يونيو “حزيران” سنة 1967التي أسفرت عن هزيمة منكرة للجيوش العربية.
مساء يوم 20 من يوليو 1969 بث التلفزيون المصري لقطات لسفينة الفضاء الأمريكية أبولو 11 على سطح القمر، وانتظرنا خروج رواد الفضاء من الكبسولة دون جدوى، حتى أن بعض الحاضرين علّق بأن الأمريكان ربما نسوا مفتاح الكبسولة على الأرض!
في فجر يوم 21 خرج “رائدا الفضاء” من الكبسولة وشاهدنا على شاشة تلفاز “النادي” في نشرات الأخبار شبحين يتقافزان على صخور القمر وكنا بين مندهش ومستغرب لهذا الحدث، بينما كان بعض الفلاحين المتواجدين يرددون أن هذا بالتأكيد – إن كان حقيقيا- من علامات قيام الساعة!

بعد صلاة عصر اليوم التالي للهبوط على سطح القمر تجمّع عدد من فلاّحي القرية على “مصطبة” عائلة رضوان التي كانت تظللها تكعيبة عنب وتظللها شجرة توت عتيقة، وشاء حظي أن أكون بصحبة أبي ضمن المتواجدين من الأقارب الذين لا يكاد يمرّ يوم دون أن يلتقوا في هذا المكان الذي كان بمثابة منصتهم المفضلة للتسامر والتناقش حول شئون الناس في القرية ومصر والعالم.
بالطبع كان خبر الهبوط على سطح القمر هو محور حديث المجتمعين الذين لن أذكر أسماءهم لأنهم رحلوا جميعا عن عالم الأحياء، حيث بادر أحدهم بطرح سؤال على الجالسين بقوله:” سمعتوا إن أمريكا طلعت القمر ونزّلت امبارح اثنين عليه”؟! فضحك الجمع ساخرين من الحدث، لينبري أحدهم بالإجابة قائلا:” العملية كلها كدب في كدب، وإن كان المتكلم مجنون يبقى المستمع عاقل! شوفوا يا جماعة، بيقولوا سفينة وطلعت في السما، وسفينة إيه دي إللي تمشي في الهوا من غير ميّه، وبعدين تنزل إزاي على قمر قد رغيف العيش!
أقنعت إجابة الرجل الحاضرين الذين عبروا عن إعجابهم بضحكات ساخرة، فأردف أحدهم الذي كان قد حضر دورة تثقيف سياسي للفلاحين اليساريين بأن “الكدب مالوش رجلين” وأن الاتحاد السوفيتي سيثبت كذب الدعاية الإمبريالية، لأن العقل لا يمكن أن يصدق مثل هذه الخرافات!!!

اتّجه أحد الحاضرين نحوي وسألني عن رأيي في الموضوع، والواقع أن المنطق الفطري الذي تضمنته رؤية الرجل للحدث أعجبني، فابتسمت وأجبته بما علمته من تعليقات المحللين المصريين المتخصصين في التلفزيون المصري ومحطات الإذاعة الأجنبية كهيئة الإذاعة البريطانية وصوت أمريكا ومونت كارلو التي أفردت مساحات واسعة للتعليق على هذا الحدث التاريخي “بأن سفينة الفضاء ليست في حاجة إلى مياه لتبحر في “الجو” بل يحملها صاروخ يستطيع العلماء التحكم في مساره وسرعته من قاعدة أرضية وأن هذه السفينة مجرد كبسولة صغيرة بحجم أي سيارة، كما أن القمر الذي يبدو لنا من الأرض كرغيف خبز صغير أكبر من ذلك بكثير، وضربت مثلا بالطائرة التي تبدو لنا صغيرة كحجم طائر الحدأة التي تحلق على ارتفاعات شاهقة، وأضفت أن الاتحاد السوفيتي كان له السبق في غزو الفضاء إلا أن أمريكا تمكنت من تحقيق سبق تاريخي بإنزال أول إنسان على سطح القمر، ومن المتوقع أن تتنافس الدولتان في هذا المجال أيضا”.
لم يرق هذا القول لبعض الحاضرين فصمتوا لوهلة ثم علق أحدهم بقوله:” لو كلام حسن صح يبقى فعلاً يوم القيامة قرب ودي أكيد من علامات الساعة، وربنا يلطف بعباده!”

حسن بارود- فيينا في 21 يوليو 2020

Categories
أخبار الجاليات حسن بارود معرض

أيها المتأسلمون! هنيئاً لكم أردوغانكم!

بقلم حسن بارود

قبل نحو عام من الآن، وبالتحديد في يوم 26 يونيو “حزيران” 2018 أعلنت نتيجة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا والتي فاز فيها أردوغان برئاسة الجمهورية وحزب العدالة والتنمية بأغلبية مقاعد البرلمان، فهنيئا لأردوغان وحزبه، بغض النظر عن نظافة وشفافية العملية الانتخابية، حيث تختلف وجهات النظر والمواقف بين المعارضة من ناحية وأردوغان وحزبه من ناحية أخرى، وهذا أمر طبيعي لن أتطرق إليه فيما أكتب اليوم، فهذا أمر يخص الشعب التركي دون غيره.
بعد أيام قليلة من إعلان نتائج الانتخابات وانفراد أردوغان بمفاصل السلطة والحكم في بلاده، هبّت على تركيا رياح سياسية واقتصادية أتت بما لا يشتهيه أردوغان وزبانيته، فتراجعت قيمة العملة الوطنية إلى أدنى مستوى لها منذ عقود، وارتفعت معدلات التضخم، وسرت في شرايين عدد من البنوك الأوروبية أعراض حمّى أزمة مالية جديدة، إذ أن تركيا مدينة لعدة بنوك أوروبية بنحو 285 مليار دولار أمريكي، من بينها 80 مليار لبنوك أسبانية.
انتهز السلطان العثماني غير المتوّج حالة الاحتقان داخل صفوف الجيش التركي وما وصفه بمحاولة الانقلاب العسكري ضده لتصفية خصومه العسكريين والسياسيين والمثقفين والقضاة على حد سواء فزجّ بعشرات الآلاف منهم في غياهب سجونه ومعتقلاته، وسط تهليل وتكبير ومباركة من جانب متأسلمي مصر الهاربين في بلاده الذين فجعوا بفشل تجربتهم في حكم مصر وشعبها وتكوين تحالف شيطاني مع السلطان التركي تمهيدا لتنصيبه خليفة لرسول الله وأميرا للمؤمنين.
شحذ أردوغان وزبانيته من المتأسلمين في مصر والخارج كل قواهم الشيطانية لإجهاد وإجهاض الدولة المصرية على غرار تجربتهم التدميرية في كل من سوريا وليبيا من خلال شن حرب عصابات ضد الجيش والشرطة في شمال سيناء، أو حوادث الاغتيال والتفجيرات داخل مدن مصر المختلفة، إلا أن تماسك الجبهة الداخلية والتفاف أغلبية المصريين حول قيادتهم الوطنية التي تمكنت عبر السنوات الأخيرة من استعادة دور ومكانة مصر على الصعيدين الإقليمي والدولي، أصابت عصابة المتأسلمين وأذنابهم في مقتل، فكثفوا من نشر الأكاذيب والإشاعات ضد مصر وقيادتها عبر أبواقهم الإعلامية المسعورة رغم تيقّنهم الكامل من زيف وكذب ادعاءاتهم، إلا أنّ إيمانهم بأنّ الغاية تبرّر الوسيلة جعلهم يتمادون في غيّهم.
ما يهمني اليوم هو الشأن المصري، حيث تستعر منذ سنوات حملة شعواء يشنٌّها متأسلمو مصر وأذنابُهُم على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي والمحافل الإقليمية والدولية ضد الرئيس المصري الذي يعتبرونه عدوهم الأول والأكبر، بينما كانوا من قبل يكيلون له المديح والإطراء طمعًا في تحييده وخداعه، ثم صاروا اليوم لا يتمنون سوى زواله عن منصبه وفتح الأبواب أمام موجة جديدة من الفتنة والعنف والفوضى تأتي على الأخضر واليابس في أرض الكنانة، كي تصبح مصر مرتعاً للتنظيمات الإرهابية التي ترعرعت في كنف المتأسلمين، فتتقاتل طوائف المصريين كما يتقاتل “أشقاؤهم” في فلسطين ولبنان وسوريا وليبيا والعراق واليمن والصومال والسودان، وتتبارى الدول الأوروبية الكبرى والصغرى في إمداد الفصائل المتقاتلة بالسلاح والعتاد، وهكذا ينهار عامود وسط الخيمة الذي تمثله مصر، كما تحطمت أوتاد أطرافها التي تمثلها الدول أو التي تحتدم فيها الصراعات المسلحة.
من منّا ينكر أن موارد مصر نضبت تدريجيّا خلال القرن الماضي منذ اضطرارها لتسخير مواردها لخدمة بريطانيا العظمى في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، ثم الحرب العالمية الثانية (1939-1945) التي دارت رحى بعض معاركها على الأراضي المصرية في غرب البلاد، ومازلنا نعاني حتى الآن من أخطار ملايين الألغام الأرضية في صحراء مصر الغربية، فحرب فلسطين الأولى سنة 1948، وبعدها حرب السويس سنة 1956، ثم تهاوت مسرعة في السنوات الخمسين الماضية، نتيجة لتوريط الجيش المصري في حرب اليمن، ثم ما تلاها من هزيمة نكراء في يونيو “حزيران” عام 1967، وما أعقبها من تهجير مئات الآلاف من سكان مدن القناة، بجانب إعادة تسليح وبناء الجيش المصري الذي خاض معارك استنزاف عنيفة توّجت بحرب أكتوبر 1973؟
ومن منّا ينكر أن غياب التخطيط العلمي السليم وانعدام الرؤى المستقبلية للتنمية المجتمعية الشاملة بشريا واقتصاديا وعمرانيا وتعليميا وصحيا وصناعيا وزراعيا وكذلك سياسيا وثقافيا، ساهما بقوة في إضعاف البنية الأساسية للشعب المصري ودولته على حد سواء، فتضخمت أعراض أمراض هشاشة عظام الدولة وتردّت أوضاع المجتمع من سيء إلى أسوأ؟
من منّا ينكر أن غياب “التربية السياسية” السليمة لأفراد المجتمع عزل الشعب المصري عن المشاركة في صياغة حاضره ومستقبله، فكان الزعيم الأوحد والتنظيم السياسي الواحد (1954-1970)، فالرئيس المؤمن وكبير العائلة (1970- 1981)، ثم “ثالوث” الأب الحكيم والأم الفاضلة والابن المعجزة (1981- 2011)؟
ومن منّا ينكر أنّ تخبّط القيادات والتجارب السياسية المتتالية، بدءاً بما يسمى الحقبة الليبرالية التي سبقت ثورة يوليو 1952، وحتى إقصاء الرئيس الأسبق مبارك في فبراير 2011، سهّل لقوىً أخرى أن تتحرك أحيانا في العلن وأغلبها في الخفاء( منذ 1928 وحتى الآن) من أجل إعادة صياغة فكر قطاعات عريضة من شرائح المجتمع على عقيدة قوامها الوحيد السمع والطاعة لمرشد الجماعة وزبانيته الذين توشحوا بعباءات التديّن وسعوا إلى تسويق أنفسهم كخلفاء لله ورسوله، فتمكنت جماعة المتأسلمين من استقطاب قطاعات متباينة من المصريين تحت لواء “الإسلام هو الحل”، وبالطبع كان التحريض على التغيير باليد أي بالعنف أحد ركائز “الحل” الذي انتهجته الجماعات المتأسلمة المختلفة كالتنظيم الخاص للإخوان، وتنظيمات الإسلام السياسي الأخرى من أبرزها الجماعات الإسلامية والقاعدة وداعش؟
من منّا ينكر أن النتيجة الطبيعية لغياب التخطيط السليم لتنمية المجتمع لعقود طويلة مع ارتفاع معدلات الزيادة السكانية هي الزحف الإسكاني على ضواحي المدن والقرى من الأراضي الزراعية، وانتشار العشوائيات بطول البلاد وعرضها، وتلوث الماء والهواء، واكتظاظ فصول المدارس بتلاميذها، والجامعات بطلابها، وتهلهل الرعاية الصحية فانتشرت الأمراض، وندرت فرص العمل، فتفشت البطالة، واضطر مئات الآلاف من المصريين إلى الفرار من بلادهم بحثا عن مصادر أخرى للرزق كان أغلبها في دول النفط الخليجية والعراق وليبيا وهي مجتمعات ذات طبائع مجتمعية تختلف كثيرا عن طبائع عموم المصريين؟
ومن منّا ينكر أن الربع الأخير من القرن الماضي، حيث عاش مصريون مغتربون في مجتمعات نفطية ذكورية، بالإضافة إلى حملات الجماعات المتأسلمة لتغيير أنماط السلوك والحياة داخل المجتمع المصري، كان بمثابة التربة الخصبة لنمو الفكر المتطرف والمتشدد، والذي كانت المرأة المصرية أولى سباياه حيث سيقت نساء مصر إلى حظائر التخلف، لتقبعن ومعهن بناتهن وأولادهن داخل جدران سجون الظلام السلفية والوهابية وأيدلوجية الإخوان المتأسلمين؟
ولأنّ المرأة هي عامود خيمة الأسرة والحافظة والناقلة لحضارة وعادات وتقاليد مجتمعها، لذلك كان استهدافها وترويضها- بتحجيبها ثم تنقيبها- أقصر الطرق للولوج إلى نواة المجتمع واستقطاب أطرافه.
*نحن إذن أمام دولة ضعيفة اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وأمام مجتمع يئنّ من مطرقة المدّ الديني المتطرف وسنديان الظروف المعيشية الصعبة؛ شركات لتوظيف الأموال تتخذ من الدين ستارا لاستنزاف مدخرات المصريين، ورجال دين يروّجون لنشاط هذه الشركات بصكوك غفران يمنحونها للمودعين، واقتصاد هشّ يعتمد على الاستيراد والاتّجار في العملات الأجنبيّة، وتصفية مؤسّسات وشركات القطاع العام لصالح “شلّة” من الانتهازيّين المقرّبين من الفئة الحاكمة، وأحزاب سياسيّة هزيلة لا تمتلك رؤىً للإصلاح والتطوير، بينما العالم من حولنا ينهض ويتطور، فتتبدّل مواضع الدول والمجتمعات في قائمة التقدم والتخلف التي تقاس معاييرهما بجودة التعليم والرعاية الصحية وظروف المعيشة اليومية للمواطنين، وكذلك جودة البنية التحتية ومدى الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان والسلام الاجتماعي ونظافة البيئة، وكلها أمور صارت غريبة في مصر طوال حقبة طويلة من الزمن.
* من منّا ينكر أن المحصّلة البديهيّة والطبيعيّة لتردّي كل هذه الأوضاع هي تراكم الدّيون الداخليّة والخارجيّة وتأزّم الظروف المعيشيّة للمواطنين نتيجة لتفشّي البطالة وارتفاع معدّلات الاستيراد في كلّ المجالات، وانهيار منظومة التّعليم والرّعاية الصحيّة وتهالك البنية الأساسيّة من طرق ومرافق أخرى، وتغلغل ثقافة “الطنّاش والفهلوة” والتفكّك الأخلاقي، وغياب القدوة الرّشيدة، وتغوّل الأثرياء على حساب الشّرائح الفقيرة، وتخلخل البناء الطّائفي للمجتمع بملاحقة أقباط مصر وتضييق الخناق عليهم، و”تفرعُن” الأجهزة الأمنيّة التي سخّرت كل قدراتها لحماية الحاكم وبطانته الفاسدة، بل والتحالف غير المعلن مع تنظيم الإخوان المتأسلمين والتيار السلفي الوهّابي، في وجود هيمنة منظومة إعلامّية فاشلة داخليّا وخارجيّا. وهكذا تقلّصت قيمة المواطن في بلده وخارجها، وتقهقر دور مصر الإقليمي والدولي!!!

ولأنّ دوام الحال من المحال وكثرة وشدة الضغط تولّدان الانفجار، حدث ما حدث في يناير 2011، واستبشر “المصريون” خيرًا واتسعت طاقات الأمل في مستقبل أفضل، لكن رياح يناير 2011 أتت بتيار حاقد لا يضع مصر الوطن، وإنما مستقبل الجماعة المتأسلمة وهيمنتها على البلاد والعباد في مقدمة أولوياته، فكانت المراوغة والخداع من أبرز سمات المرحلة التي أعقبت زلزال يناير 2011.
توشّح المتأسلمون بالورع والتقوى وأبدوا زهدهم في السلطة والحكم وأعلنوا حرصهم على المشاركة وليس المغالبة، لكنهم كانوا يبطنون شيئا آخر، اتضح للقاصي والداني بعد تحقيق الأغلبية في مجلسي الشعب والشورى، ثم توّج مسعاهم بوصول مرشحهم إلى سدة السلطة رئيسا لمصر، فتنكروا لوعودهم السابقة. وأتذكر هنا واقعة حدثت أثناء الانتخابات التي شارك فيها الإخوان المتأسلمون في 2011، حيث تبارى بعض مرشحيهم من رجال الأعمال في تقديم وعود للناخبين في الدائرة التي تقع فيها قريتي بتشغيل أبنائهم في شركاتهم فور نجاحهم في الانتخابات، فمال صديق لي على أحدهم يسأله إن كان سيفي حقّا بما وعد به أهل القرية؟ إلا أنه فوجئ برد ذلك الإخواني المتأسلم، بأنّ الانتخابات خدعة كالحرب تماما!!!
أسرع مكتب الإرشاد ومعه الرئيس الإخواني الخطى في “أخونة ” مؤسسات الدولة وإفساح الطرق أمام الإرهابيين بقرارات عفو رئاسية من السجون وعقدوا حلفا غير شريف مع “أيمن الظواهري ” وعصابته وكذلك مع قادة تنظيم حماس ومقاتليه بغرض تشكيل طوق شيطاني حول مصر من غزة شمالا، وليبيا غربا والسودان جنوبا، ظنّاً منهم- وكلُّ ظنّهم إثم- أنّ هذا السياج سيوفر لهم الغطاء العسكري الخارجي، كي يتفرغوا لتصفية قيادات الجيش المصري وإعادة ترتيبه على هواهم المريض، حتى يتمكنوا من تشكيل ميليشيات خاصة موالية لهم على غرار “الإنكشارية” العثمانية أو الحرس الثوري الإيراني، تعينهم على البقاء في السلطة نصف قرن من الزمان، لتمتد سطوتهم من مصر في اتجاه الشرق والغرب مشكلة دولة خلافة جديدة، لا يمنع أن يكون سلطانها إخوانيّاً تركيّاً أو ماليزيّاً!
أدركت أغلبية المصريين بعد أن استوعبت الدرس، أن مصر عصية على التطرف وأن نسيجها الوطني قوي في مجمله، وأن مسلمي مصر ومسيحيّيها يشكلان جناحي الطائر العريق لا يستطيع أن يحيا أو يحلق بدونهما مجتمعين، فكان الرفض الشعبي الجارف للإخوان والسلفيين والإرهابيين من المتأسلمين، وأفاق المصريون من كابوس جثم على صدورهم طيلة عام كامل.
أيها المتأسلمون!
لن ينفعكم أردوغان أو غيره، بعد أن لفظتكم أغلبية المصريين، وإن عاجلا أو آجلا سيجد أردوغانكم نفسه ملفوظا مثلكم من أغلبية شعبه، وحينئذ ستضيق به وبكم الأرض على اتساعها، وستبقى مقابر التاريخ ملاذكم ومأواكم!
وللحديث بقية
حسن بارود
فيينا في 12 يونيو 2019

Categories
أخبار الجاليات حسن بارود معرض

تعليق الصحفية النمساوية البارزة (ليفيا كلينجل) على محاضرة الكاتب/ حسن بارود. أمام نادي المرأة الاشتراكية بوسط العاصمة فيينا

توجه موقع نمساوى بسؤال للكاتب القدير/ حسن بارود. عن تفاصيل محاضرته الأخيرة التى القاها أمام نادي المرأة الاشتراكية بوسط العاصمة فيينا هذا الأسبوع وعن صورته الشخصية التى زينة مكان المحاضرة؟
فقال: هذه الصورة التقطتها الصحفية النمساوية البارزة ليفيا كلينجل ” Livia Klingl “التي رأست إدارة الشئون الخارجية في صحيفة الكورير النمساوية واسعة الانتشار كما قامت بتغطية أحداث ثورة يناير 2011 في مصر، وبادرنا سويا – ليفيا وأنا- بترتيب استقبال عدد من مصابي الثورة للعلاج في النمسا على نفقة الحكومة النمساوية. وقد أصدرت ليفيا مؤخرا كتابا بعنوان “كلهم غرباء” نشرت فيه السيرة الذاتية لعشرين شخصية من أصول أجنبية – أنا واحد منهم” وحقق الكتاب معدلات بيع مرتفعة، كما أجرت محطات افذاعة والتلفزيون في النمسا وبلجيكا والمانيا مقابلات مع ليفيا للحديث عن الكتاب. أصرت ليفيا على الحضور مساء يوم 11 مايو الجاري للاستماع إلى المحاضرة التي القيتها أمام نادي المرأة الاشتراكية بوسط العاصمة فيينا، وكان عنوان المحاضرة:” مدى حرية المرأة في الإسلام- الصدام بين العقيدة والعادات والتقاليد”، حيث عرضت في إيجاز معنى أركان الإسلام الخمسة واشرت إلى أنها للمرأة كما للرجل دون تفرقة، وإن كانت هناك بعض التسهيلات التي احلها االله للمرأة بحكم طبيعتها فيما يتعلق بالصلاة والصوم أثناء فترات الحيض والحمل والرضاعة ” لأن الله “يريد لنا اليسر وليس العسر” ثم تطرقت إلى أوضاع المرأة في الجزيرة العربية ودول الشرق ألأوسط قبل ظهور الإسلام، سواء ما يتعلق بوأد الفتيات عقب الولادة، أو الاستعباد وظاهرة الجواري وحرمان المرأة من الميراث، بل واعتبارها جزءا من تركة سيدها يتقاسمها أبناؤه الذكور بعد وفاته، ثم عرضت أسلوب الإسلام في معالجة هذه القضايا الاجتماعية مثل تحريم واد الفتيات، وإقراره بحق النساء في الميراث تماما كالرجال، ثم تحريم إكراه الفتيات على الزواج ممن لا يرغبن، واعتبار هذا الإكراه نوعا من البغاء، ثم فسرت الآيات التي تتصل بتعدد الزوجات في سورة النساء، وتأثير العادات والتقاليد على سلوكيات المسلمين وخاصة الرجال. طرحت بعد ذلك قضية ختان الإناث وأنه عادة قميئة لا علاقة لها بالعقيدة، ثم عرجت غلى شهادة المرأة أمام المحاكم وكذلك قضية تعليم الإناث التي تعد فرضا عليهن كما هي على الرجال، وتطرقت إلى قضية زي المرأة وخاصة ما يتعلق بالنقاب الذي يحجب المرأة عن العالم، وأشرت في هذا الصدد إلى آية “الإسدال” التي نزلت لتحمي النساء المسلمات من “تحرش” رجال وفتيان المدينة بالمسلمات المهاجرات في طريقهن لقضاء حاجاتهن في الخلاء كما جرت العادة آنذاك، “ذلك أدنى ألا يعرفن فيؤذين” كما قال الله تعالى في كتابه العزيز، إلا أن المتأسلمين على اختلاف مسمياتهم يرون في العالم خارج بيت المرأة “فضاء لقضاء الحاجة” ولذلك يجب على النساء إخفاء وجوههن ليصرن كالأشباح، كما كان يجبر اليهود المتشددون نساءهن، أما عن غطاء الرأس “الحجاب” فهذه عادة تأصلت لدى أتباع الديانات السماوية على مر العصور، وأشرت كذلك إلى غطاء الرأس “حجاب” الرجال في دول شبه الجزيرة العربية باعتباره ميراثا لعادات وتقاليد سكان تلك المناطق، نظرا لظروف المعيشة والمناخ، دون ان نستنكر ذلك او ننكره على الرجال كما ينكره البعض على النساء. أشرت كذلك إلى خطر المتطرفين من المتأسلمين الذين لا يرون في المرأة سوى مخلوق لإمتاع الرجل وإشباع شهواته الجنسية، وحصرهم للدين في منظور جنسي فج. وخلصت في النهاية إلى أن المشكلة ليست في التدين الصحيح، لكنها في الأساس في التطرف، وإقصاء المرأة من الحياة العامة، رغم أنها هي الأم والأخت والزوجة والابنة، وهي التي كرمها الله تعالى كما كرم الرجل باعتبارها من أبناء آدم ” ولقد كرمنا بني آدم….” نعم إن المتأسلمين وإن كانوا لا ينادون بوأد الفتيات عقب الولادة، إلا أنهم يئدونهن معنويا كل يوم من حياتهن في هذه الدنيا. أشرت كذلك إلى موقف الإسلام من العادات والتقاليد القبيحة حيث بينت ما جاء في القرىن الكريم في هذا الشأن، ” وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ( سورة البقرة، آية 170 ). نعم فالطبع يغلب التطبع!!!!

 

الموضوع كما نشرته الصحفية النمساوية البارزة ليفيا كلينجل
Livia Klingl

das ist Hassan Baroud, in einem dorf im nildelta geborener sohn von analphabeten. seit 40 jahren lebt der islamwissenschaftler und germanist (schwerpunkt: Handke) sowie vater von drei wunderbaren kindern in österreich.
gestern hielt er in der spö albertgasse einen vortrag über die rolle der frau im koran, über die pflichten der muslime und über die kleiderordnung. er ist massiv gegen voll-, eigentlich überhaupt gegen verschleierung und kann dies aus besagtem koran ableiten. “das stärkste gefühl des fremdseins ist, wenn man sich in einer gesellschaft selbst fremd macht”, sagt der in meinem buch “lauter fremde!” (Kremayr & Scheriau) porträtierte. nachzulesen auch, warum Hassan Baroud meint, wer sich hierorts voll verschleiere, interpretiere den öffentlichen raum als öffentlichen abort. denn die frauen aus Mohammeds sippe, die als flüchtlinge in medina auf dem weg zur verrichtung der notdurft belästigt wurden, sollten zu ihrem schutz das tuch über den kopf ziehen…
die gefahr sei nicht der gläubige muslim, sondern der politische islam, der auch in Barouds geburtsland ägypten seit mitte der 1970er-jahre um sich greift.

Categories
أخبار الجاليات حسن بارود معرض

المصريون بين مطرقة الإرهاب وسندان العقيدة

بقلم حسن بارود
انقسم المصريون بين مؤيدين ومعارضين لعمليات “تهجير” مصريين مسيحيين من العريش إلى مدن أخرى، حرصا على أرواحهم التي يستحلّها ويستبيحها الإرهاب الأسود الذي يستهدفهم مع غيرهم من المصريين؛ فبينما لا يرى فريق من المصريين غضاضة في إنقاذ حياة أولئك المواطنين المسالمين بترحيلهم أو تهجيرهم، يتهم فريق آخر الدولة بالتغاضي عن مسئوليتها عن حمايتهم في بيوتهم في منطقة العريش. يرى بعض أتباع هذا الفريق أن تفريغ العريش من المسيحيين استسلام من الدولة وخيانة لمواطنيها المسيحيين. أما الفريق الثالث فهو فريق المتأسلمين الشامتين في مصر والمصريين، الذين انبروا في البكاء على مصير الأقباط باعتبارهم ضحايا تخاذل الدولة وربما تواطؤها، بعد أن كان أولئك المتأسلمون، وما زالوا، ألد أعداء المسيحيين المصريين وكنائسهم.

مطرقة الإرهاب:
في رأيي أن الإرهاب الأسود في سيناء وسوريا والعراق وليبيا والصومال وأفغانستان ونيجيريا ومالي والجزائر وتونس بل وفي فلسطين وغيرها من بلاد العالم المختلفة يستهدف الأبرياء أيا كانت عقيدتهم، مادام قتلهم يخدم أهداف القتلة ونهجهم في الترويع واستحلال ما حرّمت الشرائع السماوية والقوانين الدولية ، ولذلك تضعف حجة القائلين بأن استهداف المسيحيين في العريش أو في نيجيريا والأوروبيين المسيحيين في فرنسا وأسبانيا وألمانيا ، أو اليزيديين والسنّة والشيعة في العراق أو اليمن، مجرد نتائج طبيعية لتهاون أو تقاعس سلطات تلك دول في حماية الضحايا.

في رأيي أيضا أن تهجير شريحة بعينها من المواطنين المصريين لإبعادهم عن مصادر الخطر، مع أسفنا لضرورة هذا الإجراء، إلا أنه في النهاية لا يعني سوء نية تجاه أتباع ديانة بعينها، لأن الدولة المصرية سبق أن أفرغت مساحات شاسعة في منطقة رفح ومحيطها من كل سكانها تقريبا، بعد استهداف قوات الأمن والمواطنين من جانب العصابات الإرهابية في المنطقة، كما سبق أيضا أن هجّرت مصر ملايين المصريين من سكان مدن القناة عقب هزيمة 67، لتجنيبهم مخاطر تطورات الصراع العسكري مع قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تمركزت على بعد عدة أمتار من تلك المدن بامتداد طول قناة السويس.
لذلك فإذا صار المسيحيون المصريون في العريش هدفا مباشرا لعمليات الإرهاب الخسيسة، مع عجز قوات الأمن عن حمايتهم كغبرهم من المصريين، وفي ظل استمرار المواجهات بين قوات الأمن والعناصر الإرهابية، يصبح تهجيرهم أمرا ضروريا.
ولماذا نذهب بعيدا، فإن الدول تلجأ إلى إخلاء مناطق بعينها في حالة تعرضها لكوارث طبيعية كالزلازل والفيضانات، فما بالنا بإرهاب غادر يستهدف على حين غرة أبرياء في بيوتهم ومتاجرهم ودور عبادتهم.

سندان العقيدة:
لا يخفى علينا أن عددا غير قليل من دعاة وأحبار المسلمين والمتأسلمين دأب على التحريض ضد المسيحيين باعتبارهم كفارا لا تجوز تهنئتهم بأعيادهم أو التعامل معهم، ناهيك عن مصاهرتهم، بل إنهم أحلّوا استباحة دمائهم وممتلكاتهم. لذلك فلا غرابة في إقدام الإرهابيين الذين يرفعون راية سوداء للعقيدة الإسلامية أن يرتكبوا مثل هذه الجرائم، في غياب مؤسف لدور المؤسسات الدينية التقليدية في تنوير المجتمع وتوعية أفراده من خلال خطاب ديني منصف لأتباع الديانات الأخرى باعتبارها ديانات سماوية لأهل كتاب، وأن الله تعالى وحده هو الذي سيفصل يوم القيامة بين كل المؤمنين فيما كانوا فيه يختلفون، وأن الحكمة من التعدد والتوع العرقي والعقائدي هي التعارف وحسن المعاملة.
نحن في حاجة ماسة إلى نمط مختلف من التعليم في مصر يبدأ بمعلم مستنير في رياض الأطفال ومراحل التعليم المختلفة، وكتاب مدرسي لا ينحاز إلى دين أو مذهب بعينه من خلال نصوص تحريضية، كما نحتاج إلى أئمة ووعاظ وقساوسة يدعون إلى سبيل الله بالحكمة والوعظة الحسنة يركزون في دعوتهم على الفضائل، كما نحتاج إلى إعلام ناضج لا يلهث وراء الشواذ من الأشخاص أو الأفعال، بل يعلي قيمة التعايش السلمي بين شرائح المجتمع على اختلافها وتنوعها، انطلاقا من مبدأ الدين لله والوطن للجميع.

نحن نحتاج إلى أحزاب سياسية تنأى عن التعصب الديني أو المذهبي وتدرك أن التفاعل المجتمعي الإيجابي يشكل اللبنة الرئيسية لتماسك المجتمع وتقدمه وازدهاره، فلا تسييس للدين ولا تديين للسياسة.
نحن في حاجة إلى نظام حكم رشيد يخدم المصريين – كل المصريين- ويؤمن بأن العدل أساس الحكم؛ والعدل هنا بين كل المصريين، سواء في الحقوق أو الواجبات وأن الشخص المناسب للمنصب المناسب، بغض النظر عن انتمائه الديني.
على المسلمين أن يدركوا أن رسالة الإسلام جاءت متممة وخاتمة لرسالات الله التي سبقت رسالة الإسلام، وأن الله اصطفى من بين خلقه أنبياء ورسل كثر، وأن من أساس العقيدة الإسلامية الإيمان بالله ورسله وكتبه، وأن الله – وكذلك نحن- لا نفرق بين أحد من رسله، وأن احترام رسالات السماء، كل الرسالات، من صميم صحيح عقيدتنا.

إنني أذكر المؤمنين من المسلمين بقول الله تعالى في سورة الأنعام: ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الأنعام/ 108. فهذا قوله عزّ وجلّ في حق من يتخذ آلهة من دون الله، فما بالكم – سلمت عقيدتكم – بمن بعث فيهم الله رسلا وأنبياء برسالات وكتب وسمّاهم أهل الكتاب، وإقرار الله بأنّه قد زيّن لكل أمة عقيدتها، وأن مرجعنا جميعا، مؤمنين ومشركين وكفارا إليه يوم القيامة، فينبؤنا بما كنا نفعل ونعمل في الحياة الدنيا!!

أما المتأسلمون ومدعو التقوى والصلاح، فلتنظروا إلى أنفسكم، كيف تحرضون بالأمس ضد المسيحيين لأنهم رفضوا حكم جماعتكم، فتحرقون كنائسهم وتسبون عقيدتهم وتروعونهم في بيوتهم وأوطانهم، ثم تسكبون اليوم دموعا زائفة على قتلاهم على أيدي أربابكم من الإرهابيين وشياطين الفتنة. ألا إنكم كاذبون ومنافقون.
فيينا في 27 فبراير 2017.

نبذة عن الكاتب الكبير (حسن بارود)
ـ ولد حسن بارود سنة 1954 في قرية المنشاة الصغرى مركز كفر شكر بمحافظة القليوبية؛
ـ في القرية تلقى تعليمه الأساسي ثم انتقل إلى مدينة كفر شكر حيث تلقى تعليمه المتوسط والثانوي؛
ـ انتقل في 1972 إلى القاهرة حيث درس الأدب الألماني، والعلوم العربية والإسلامية في كلية اللغات بجامعة الأزهر.
ـ في المدرسة الابتدائية التحق بفريق التمثيل وأدى عدداً من الأدوار في حفلات المدرسة السنوية، ثم واصل في المرحلة الإعدادية هواية التمثيل.
ـ في المرحلة الثانوية، أدار مع بعض زملائه «الإذاعة المدرسية» كما شارك في تحرير مجلات الحائط، وبدأ يقرض الشعر، وأنهى المرحلة الثانوية بأولى تجاربه في كتابة المسرحية ذات الفصل الواحد «غريب بين أهله» التي مثلتها في أغسطس 1972 الفرقة المسرحية التي أسسها بارود في قريته.
ـ في 1973 اختير حسن بارود كشاب مثالي عن مركز كفر شكر حيث شارك في معسكر بمدينة الإسكندرية لإعداد القادة والرواد في صيف نفس العام. في الجامعة التحق بفريق تمثيل الكلية، لكن سفره إلى النمسا لأول مرة في صيف 1974 حال دون مشاركته في أعمال مسرحية.
ـ في عام 1976 التحق بارود بمعهد الترجمة بجامعة فيينا، لكنه انتقل إلى معهد الأدب الألماني بعد التخرج من جامعة الأزهر في 1978.
ـ خلال الفترة من 1980/ 1998 عمل بارود بالتدريس في مدرسة فيينا الدولية، حيث كان يدرّس اللغة العربية وتاريخ وحضارة العالم الإسلامي، ثم اختير ممتحناً للغة العربية في شهادة البكالوريا الدولية وعضوا في لجنة دولية لتقييم جودة المدارس الدولية، كما ساهم طوال فترة عمله في المدرسة الدولية في وضع برامج ومناهج لتدريس اللغات في المدارس الدولية، بالإضافة إلى تدريب معلمي اللغة العربية والأدب العالمي في المدارس الدولية في الشرق الأوسط.
ـ خلال تلك المرحلة لم يتوقف بارود عن الكتابة، حيث نشرت أولى أعماله وهي قصة قصيرة جدا بعنوان «حدّوتة قبل النوم»،
ـ شارك في تأسيس أول اتحاد للدارسين المصريين في النمسا وإصدار مجلة «صوت الدارسين» التي واظب على الكتابة في كل ما صدر عنها من أعداد.
ـ بدأ بارود محاولات الكتابة بالألمانية في سنة 1976، واستمر في الكتابة باللغتين العربية والألمانية، حيث كتب عددا من القصص القصيرة مثل «الأم العمياء» و«انتقام الكلاب» و«علاء الدين في الأراضي المقدسة»، ومسرحية «علي بابا بعد الثراء»، والعديد من المقالات في السياسة والأدب.
ـ بالألمانية نشر لحسن بارود عملان: «الراقص على سلمين.. الثنائية في حياة المهاجر»، و«الطعام عند اليهودي والنوم عند المسيحي».
ـ منذ عام 1998 يعمل حسن بارود بسفارة مصر لدى النمسا.
ـ عضو اتحاد الكتاب النمساويين، محاضر في المنتدي الأوروبي للحوار حول التسامح في مقاطعة كارنثيا، عضو مؤسس في البيت العربي العربي النمساوي للثقافة والفنون.
ـ حسن بارود متزوج وله 3 أبناء.
قصص:
ـ حدّوتة قبل النوم، انتقام الكلاب، الأم العمياء، علاء الدين في الأراضي المقدسة.. قصة لم تكتمل بعد.
مسرحيات:
ـ علي بابا بعد الثراء، غريب بين أهله.
من خزانة الذاكرة:
برونو كرايسكي، أول الغيث قطرة، منحة ياريس: كيرششليجر!، الصراع على منصب المدير العام لوكالة الطاقة، ليلة وفاة الزعيم.
مقالات:
بالعربية: رسائل الكترونية، خواطر حول مسألة الاندماج في عصر العولمة، دور الجالية المسلمة في المجتمع النمساوي، خواطر حول قضية التعليم في مصر، وصفة لعلاج بعض مشاكل مصر، موائد الوحدة الوطنية الرمضانية، قليل من السياسة: فلسطين في الذكرى الستين لتقسيمها، خواطر حول المقذوفات وحالات الهوس التي أعقبت واقعة الصحفي العراقي، قليل من السياسة: خواطر حول الآثار النفسية للحرب الإسرائيلية على الناجين من محرقة غزة 2008، معذرة إن كتبت! خواطر عابرة حول ما وقع من أحداث في الآونة الأخيرة، خواطر في المقابر، وإذا الأبرياء سئلوا، بأي ذنب قتلوا، وجعلنا لكل شئ سبباً، وطفح الكيل في أطفيح، فلنضع أيدينا على قلوبنا!، دعوة إلى وقفة مع النفس، واختلط الحابل بالنابل! محاولة لاستكشاف ملامح الواقع المصري المعاصر، العدل والعدالة والاعتدال، مازال القدر مملوءا: تأملات مراقب للأوضاع في مصر، وأين المرأة في الثورة المصرية؟!، ماذا لو.. ولماذا لا؟، تعالوا نتصارح!، ثقافة غض البصر عن البدائل، تعالوا نتشارك!، ثقافة الطناش!، ثقافة الطمس والمحو والتشويه!، خواطر حول انتخابات رئيس مصر، لن يعيش السمك في اللبن!، ليس الشديد بالسرعة!، أيها المصريون! خذوا حذركم من أعراض وباء تدمير الذات!، في الصلح خير!، مصر ثلاثية الأبعاد، عود على بدء: نظرة العين العوراء لمشكلة الطاقة في مصر، شياطين الفتنة: قصة واقعية من قريتي، الساسة ونباتات الظل، أيها المتأسلمون.. إنا سئمناكم!
بالألمانية: الراقص على سلمين ـ الثنائية في حياة المهاجر، الطعام عند اليهودي والنوم عند المسيحي.

Categories
أخبار الجاليات حسن بارود صور نمساوى معرض

بالصور: الكاتب حسن بارود .. داخل القلوب

أقام البيت العربي النمساوي بالتعاون مع النادي المصري بفيينا يوم الجمعة 24/2 ندوة ثقافية مع الكاتب الكبير/ حسن بارود. وذالك بمقر النادي

حضر الندوة كوكبة من مثقفى النمسا منهم على سبيل المثال الأستاذ/ خالد حسين. رئيس النادى المصرى ومجلس ادارته. والمهندس/ مصطفى عبدالله. والأستاذ/ عادل زعزوع. والمهندس/ أحمدعامر. وكوكبة من مثقفى النمسا من جنسيات مختلفة.
وكان ايضا حضور السيدة الفاضلة حرم الكاتب وأبناءه للندوة ذات معانى كبيرة وكثيرة. عبر عنها نجله الفنان التشكيلى (ادم) بانه فخور بما يكتبه والده.

كانت الندوة بالفعل تعبر عن مدى تعمق وتوغل الكاتب داخل عقول أبناء الجاليات العربية بالنمسا والدليل على ذالك هو هذا الحضور المتميز من أبناء جاليات الأردن والجزائر وسوريا والعراق وفلسطين ومصر.
وكان من ابرز المشاهد التى لفتت نظرى هذا الحوار الرائع الذى حدث بيين الكاتب وجمهوره من المثقفين وخاصة السيدات الفاضلات
كان حوارهم مع الكاتب يوضح مدى فهمهم وتعمقهم فيما يسرده .
كانت بالفعل ندوة شعرت من خلالها بمدى ثقافة الكاتب والجمهور الأكثر من رائع
الحب والاحترام والأعجاب والثقافة هو شعار الحديث الدائر بينهم

الكاتب يتحدث من خلال ثقافته ونشاته المصرية ثم يمزجها بدراسته المتعمقة فى الأدب الألمانى. ونجح من خلال ذالك فى ان يضع امام القراء والمثقفين وجبة دسمة من ثقافة اللغة العربية واللهجة المصرية والعادات والتقاليد بريف مصر من خلال القصة القصيرة التى أبدع فيها.

وحتى لا أطيل على حضراتكم سوف اضع أمام حضراتكم بعض من أعماله القيمة

ونصل الى ( مفيد فوزى النمسا ) وانا اقصد هنا الأستاذ/ محمد عزام. الذى ادار الندوة بكفاءة عالية واقتدار كبير. استطاع من خلاله أن يخرج فكر الكاتب ومنهجه ونشأته بشكل سلس. ويحسب له ايضا كيف كان يستطيع ان يعيد الحوار بيين الجمهور والكاتب ليظل فى دائرته حتى لا يخرج الحوار الى اطار او موضوع اخر.
الم اقل لكم أنه( مفيد فوزى النمسا )

الكاتب الكبير (حسن بارود)
ـ ولد حسن بارود سنة 1954 في قرية المنشاة الصغرى مركز كفر شكر بمحافظة القليوبية؛
ـ في القرية تلقى تعليمه الأساسي ثم انتقل إلى مدينة كفر شكر حيث تلقى تعليمه المتوسط والثانوي؛
ـ انتقل في 1972 إلى القاهرة حيث درس الأدب الألماني، والعلوم العربية والإسلامية في كلية اللغات بجامعة الأزهر.
ـ في المدرسة الابتدائية التحق بفريق التمثيل وأدى عدداً من الأدوار في حفلات المدرسة السنوية، ثم واصل في المرحلة الإعدادية هواية التمثيل.
ـ في المرحلة الثانوية، أدار مع بعض زملائه «الإذاعة المدرسية» كما شارك في تحرير مجلات الحائط، وبدأ يقرض الشعر، وأنهى المرحلة الثانوية بأولى تجاربه في كتابة المسرحية ذات الفصل الواحد «غريب بين أهله» التي مثلتها في أغسطس 1972 الفرقة المسرحية التي أسسها بارود في قريته.
ـ في 1973 اختير حسن بارود كشاب مثالي عن مركز كفر شكر حيث شارك في معسكر بمدينة الإسكندرية لإعداد القادة والرواد في صيف نفس العام. في الجامعة التحق بفريق تمثيل الكلية، لكن سفره إلى النمسا لأول مرة في صيف 1974 حال دون مشاركته في أعمال مسرحية.
ـ في عام 1976 التحق بارود بمعهد الترجمة بجامعة فيينا، لكنه انتقل إلى معهد الأدب الألماني بعد التخرج من جامعة الأزهر في 1978.
ـ خلال الفترة من 1980/ 1998 عمل بارود بالتدريس في مدرسة فيينا الدولية، حيث كان يدرّس اللغة العربية وتاريخ وحضارة العالم الإسلامي، ثم اختير ممتحناً للغة العربية في شهادة البكالوريا الدولية وعضوا في لجنة دولية لتقييم جودة المدارس الدولية، كما ساهم طوال فترة عمله في المدرسة الدولية في وضع برامج ومناهج لتدريس اللغات في المدارس الدولية، بالإضافة إلى تدريب معلمي اللغة العربية والأدب العالمي في المدارس الدولية في الشرق الأوسط.
ـ خلال تلك المرحلة لم يتوقف بارود عن الكتابة، حيث نشرت أولى أعماله وهي قصة قصيرة جدا بعنوان «حدّوتة قبل النوم»،
ـ شارك في تأسيس أول اتحاد للدارسين المصريين في النمسا وإصدار مجلة «صوت الدارسين» التي واظب على الكتابة في كل ما صدر عنها من أعداد.
ـ بدأ بارود محاولات الكتابة بالألمانية في سنة 1976، واستمر في الكتابة باللغتين العربية والألمانية، حيث كتب عددا من القصص القصيرة مثل «الأم العمياء» و«انتقام الكلاب» و«علاء الدين في الأراضي المقدسة»، ومسرحية «علي بابا بعد الثراء»، والعديد من المقالات في السياسة والأدب.
ـ بالألمانية نشر لحسن بارود عملان: «الراقص على سلمين.. الثنائية في حياة المهاجر»، و«الطعام عند اليهودي والنوم عند المسيحي».
ـ منذ عام 1998 يعمل حسن بارود بسفارة مصر لدى النمسا.
ـ عضو اتحاد الكتاب النمساويين، محاضر في المنتدي الأوروبي للحوار حول التسامح في مقاطعة كارنثيا، عضو مؤسس في البيت العربي العربي النمساوي للثقافة والفنون.
ـ حسن بارود متزوج وله 3 أبناء.
قصص:
ـ حدّوتة قبل النوم، انتقام الكلاب، الأم العمياء، علاء الدين في الأراضي المقدسة.. قصة لم تكتمل بعد.
مسرحيات:
ـ علي بابا بعد الثراء، غريب بين أهله.
من خزانة الذاكرة:
برونو كرايسكي، أول الغيث قطرة، منحة ياريس: كيرششليجر!، الصراع على منصب المدير العام لوكالة الطاقة، ليلة وفاة الزعيم.
مقالات:
بالعربية: رسائل الكترونية، خواطر حول مسألة الاندماج في عصر العولمة، دور الجالية المسلمة في المجتمع النمساوي، خواطر حول قضية التعليم في مصر، وصفة لعلاج بعض مشاكل مصر، موائد الوحدة الوطنية الرمضانية، قليل من السياسة: فلسطين في الذكرى الستين لتقسيمها، خواطر حول المقذوفات وحالات الهوس التي أعقبت واقعة الصحفي العراقي، قليل من السياسة: خواطر حول الآثار النفسية للحرب الإسرائيلية على الناجين من محرقة غزة 2008، معذرة إن كتبت! خواطر عابرة حول ما وقع من أحداث في الآونة الأخيرة، خواطر في المقابر، وإذا الأبرياء سئلوا، بأي ذنب قتلوا، وجعلنا لكل شئ سبباً، وطفح الكيل في أطفيح، فلنضع أيدينا على قلوبنا!، دعوة إلى وقفة مع النفس، واختلط الحابل بالنابل! محاولة لاستكشاف ملامح الواقع المصري المعاصر، العدل والعدالة والاعتدال، مازال القدر مملوءا: تأملات مراقب للأوضاع في مصر، وأين المرأة في الثورة المصرية؟!، ماذا لو.. ولماذا لا؟، تعالوا نتصارح!، ثقافة غض البصر عن البدائل، تعالوا نتشارك!، ثقافة الطناش!، ثقافة الطمس والمحو والتشويه!، خواطر حول انتخابات رئيس مصر، لن يعيش السمك في اللبن!، ليس الشديد بالسرعة!، أيها المصريون! خذوا حذركم من أعراض وباء تدمير الذات!، في الصلح خير!، مصر ثلاثية الأبعاد، عود على بدء: نظرة العين العوراء لمشكلة الطاقة في مصر، شياطين الفتنة: قصة واقعية من قريتي، الساسة ونباتات الظل، أيها المتأسلمون.. إنا سئمناكم!
بالألمانية: الراقص على سلمين ـ الثنائية في حياة المهاجر، الطعام عند اليهودي والنوم عند المسيحي.

والى حضراتكم بعضا من أعماله

حدوتة قبل النوم .. قصة قصيرة جدا
حسن بارود
اعتدت أن أقضي مع صغيرتي بعض الوقت قبل أن تخلد إلى النوم، وفي العادة كنت أردد على سمعها أغنيات الأطفال التي توارثناها عن أمهاتنا، وذلك لاعتقادي أن الأغنية وموسيقاها أقرب إلى وجدان طفل صغير في سن الرابعة، إلا أن صغيرتي طلبت مني ذات ليلة أن أحكي لها حدوتة قصيرة، فكان طلبها مفاجأة لي لم أتوقعها. والواقع أن المفاجأة محت كل ما في ذاكرتي من حكايات وحواديت “ألف ليلة وليلة”، فصمتّ برهة كي أتخلص من مأزق المفاجأة، وقررت أن أحكي لها قصة حقيقية رواها لي بطلها فقلت:
“كان يا ما كان في أيام زمان، كان فيه واحد صاحب بابا”، فسألت صغيرتي: “اسمه إيه يا بابا”، فأجبتها: “علي”، ولم يكن هذا هو اسمه الحقيقي، لكنني اخترت هذا الاسم، أولا كي أدربها على سماع ونطق حرف العين، وثانيا لأنه، ولغرابة الأمر، لم يكن لي حتى ذلك الوقت صديق اسمه علي، وكنت أخشى أن أذكر لها اسم أحد أصدقائي الحقيقيين، فتربط أحداث القصة باسمه.
“عمو على كان عايش لوحده في شقة، وحب يغير فيها علشان تبقى جميلة ففكر إنه يشترى نباتات ظل زي اللي بيشوفها في شقق وبيوت الأفلام. وفي يوم من الأيام وهوّ راجع من شغله دخل محل للزهور والنباتات واشترى عدد من النباتات والزهور، ونقلها بتاكسي للبيت وشالها هوّ وبواب العمارة، فحطّا كلها في الصالة، وبدأ يفكر يوزعها على الأوض واختار الأماكن الضلمة في كل أوضه علشان يغير منظرها ووزع فيها الزرع الأخضر والزهور الملونة. وفعلا اتغير منظر كل أوضه، ففرح عمو علي ودخل الحمام وجاب ميّه علشان يروي الزرع، وكان فرحان خالص، وحس إنه بقى واحد تاني عايش في شقة جميلة، ولقيته بيكلمني في التليفون وحكى لي إللي حصل وإنه فرحان لأنه شقته بقت حاجة حلوة خالص.
تاني يوم رجع عمو علي من الشغل وأول حاجة حب يشوفها كانت جنينته الجميلة في الشقة، وبعدين دخل الحمام وجاب ميّه وروى الزرع. وقعد يعمل ده كام يوم، بس بعد أسبوع شاف إن الزرع بدأ يدبل، وبدأ ورقه يصفر، والزهور كان شكلها عيانة وألوانها بدأت تتغير.
عمو علي افتكر إن الزرع عطشان فجاب ميه زي كل مرة وروى الزرع، بس الأحوال متحسنتش، كل يوم يدبل الزرع أكتر وورقه يقع. وكلها كام يوم وكل الزرع مات، وريحة الأوض كانت وحشة يعني معفنة.
عمو علي زعل واتضايق وبدأ يشتم في بياعين الزرع والزهور وحلف ما يدخل محلاتهم طول ما هوّ عايش، ولم كل الزرع إللي في الشقة ورماه في الزبالة، وكان زعلان قوي لأنه صرف فلوس كتير، وفي الآخر كل الزرع مات.
المهم، عم علي عزمني في بيته فرحت أزوره وأتفرج على الشقة بالزرع الجديد، وسألته إيه أخبار الجنينة الجميلة، فلقيته زعلان وقرفان من عيشته، وقال لي: “يا أخي” تجار الزهور كلهم غشاشين، تصور بعد أسبوعين بس كل الزرع مات، فسألته ليه كده، أنا عندي زرع في الشقه بقاله سنين ومحصلش حاجة، فقال لي ما هو دى اللي غايظني، فقلت له وريني الأماكن اللي كنت حاطط فيها الزرع، فدخلنا أوضة والثانية، وكل الأماكن اللي ورّاها لي كانت ضلمة خالص، مفيش فيها أي ضوء، فقلت يا صاحبي النباتات صحيح اسمها نباتات ظل، لكنها محتاجة لضوء “نور” علشان تعيش، التجار مش غشاشين يا علي، إنت اللي مفرقتش بين الضل والضلمة، وبعدين زي ما حكيت لي إنت كنت بتروي الزرع كل يوم وده غلط كمان، لأنك يا علي ما بتشربش إلا لما تعطش، والزرع نفس الوضع”.
ابتسمت صغيرتي ابتسامة وضعتني في حيرة من أمري، وتساءلت في صمت هل فهمت الصغيرة الحدوتة، إلا أنها قطعت صمتي بقولها: “إزاي عمو علي كبير وميعرفش الفرق بين الظلمة والضلام؟ ففرحت لذكاء صغيرتي وقلت لها يا حبيبتي فيه ناس كثير متعرفش تفرّق، وبعدين يفتكروا إن كل ما يزودوا الميّه للزرع هيكبر ويبقى حلو، يعني من كتر حبهم للحاجة ممكن يضروها”، فٌقالت: “لأ دول ممكن يموتوها زي عمو علي، أنا زعلانة قوي على الزرع اللي مات”!!!
مسحت جبينها بيدي، ووضعت قبلتين على خديّها وتمنيت لها نوما هادئا، وقلت: “هطفي النور علشان تنامي”، فقالت لي مبتسمة: “سيب النور مولع، أنا لسه هفكر في عمي على المسكين وعايزة أفكر في النور مش في الضلمة يابابا”!!!!
حسن بارود- فيينا في 1986

مقتطفات من حكايات من قريتي
أبي والمدرسة
كان التعليم عملة نادرة لا يقدر على الفوز بها إلا القلة القليلة من أبناء القرية، وكان محصورا في كتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم وتلاوته مع تعليم القراءة والكتابة وبعض مبادئ الحساب، وكان بعض أبناء فقراء القرية أو مكفوفوها يحفظون القرآن لتلاوته في بيوت الميسورين من أهل القرية نظير “ميزانية” موسمية أو سنوية عبارة عن بضعة أقداح من الغلال والحبوب التي تنتجها الأرض يتلقاها الشيخ من “زبائنه” عقب كل حصاد، بالإضافة إلى ذلك فكانت هناك مدرسة أولية يعود الفضل إلى إنشائها لحكام مصر من أسرة محمد علي الذين سعوا إلى نشر المدارس في ربوع القطر المصري، وإن كان معظم إن لم يكن كل معلمي تلك المدارس من الأزهريين الذين ركزوا على تعليم اللغة وتحفيظ القرآن، مع قليل من مبادئ الحساب.
فرحت جدتي وأخوات أبي والمقربون من الأهل والأقارب باليوم الأول للصغير في المدرسة، وقد ارتدى جلبابا جديدا ونعلا لقدميه وعلق على كتفه “مخلة” من القماش الرخيص خاطتها أمه بإبرة وخيط غليظ وبداخلها لوح أسود من الخشب، وريشة من البوص نحتها للصغير أحد أزواج أخواته.
نعم فهاهو آخر العنقود “عبد الله” يذهب إلى المدرسة ليتعلم القراءة والكتابة والحساب، ويبدأ في حفظ ما يتيسر من القرآن. وها هي أمه تردد وهي تمسك بذراعه في طريقهما إلى المدرسة ما حفظته من آيات تكررت تلاوتها على أسماعها في بيتهم صباح كل يوم من حنجرة الشيخ الضرير “محمود الغريب” الذي اعتاد عقودا من السنين التردد عقب شروق شمس كل يوم على البيت، حتى بعد وفاة زوجها. كان استهلال كل يوم بتلاوة القرآن في البيت عادة حميدة لم ترغب الأرملة في انقطاعها، كي تطرد منه الشياطين، وتحل على المكان وأهله البركة من عند الله.
كان الشيخ “محمود الغريب” يعمل في المدرسة محفظا للقرآن يومين في الأسبوع وهو الذي فاتح ناظرها في أمر قبول أبي اليتيم في المدرسة رغم صغر سنه، حتى لا يتعرض لأذى من أبناء عمومته الذين دأبوا على مضايقة أرملة عمهم وبناته بدافع من الغيرة الاجتماعية، وكم من مرة فاتحت جدتي الشيخ الغريب في أمر الصغير الذي كانت تخشى عليه من قسوة أبناء أعمامه الذين كانوا يكبرونه بسنوات عدة.، حتى وافق حضرة الناظر على قبول اليتيم الصغير.
لم يكن الناظر من أهل القرية بل كان يفد إليها صباح كل يوم على ظهر حمار ينقله من قريته التي تبعد نحو خمس كيلومترات إلى مقر عمله في مدرسة قرية أبي، فما كان ليهبط من فوق ظهر حماره حتى يسحبه الفراش ويتوجه به إلى زريبة ملاصقة لمبنى المدرسة خاصة بأحد أعيان القرية الذي يرعى رجاله ضيافة ركوبة الناظر، وهكذا كل يوم وبدون مقابل، بل إن الأمر لم يكن يخلو من تلقي الناظر أفندي بعض الهدايا من أعيان القرية، إما ليأخذها معه إلى بيته على ظهر حماره، أو ترسل إلى البيت مع “مخصوص” إذا كانت مما ثقل حمله، وصعب على الناظر اصطحابه.
حرص الشيخ محمود على متابعة الصغير في المدرسة أولا بأول، وكان يسعد بعرض تقرير شبه يومي على أم الصغير التي كانت تدعو الله أن يحمي صغيرها من كل مكروه، وأن يقيه شر عيون الناس. وما من مرة جاء فيها ذكر اسم الصغير إلا ورددت: “يحرسه ربنا ويحميه”! ، و لم لا وقد كان أملها وأمل بناتها، أليس هو الرجل الوحيد في الأسرة؟ ألن يكون هو حامي حمى أسرته من الولايا؟ أليس هو من سيفتح البيت، ويبقي على اسم أبيه وعائلته؟
انقضت بضعة شهور والصبي مواظب على الذهاب إلى مدرسته، حتى أصبح قادرا على فك الخط، وكتابة اسمه، بل إنه كان يكتب اسم أمه على تراب الأرض ويناديها كي تقرأه، وما هي بقارئة. وكم من مرة ردد على أسماعها ما احتفظت به ذاكرته الغضة من أناشيد وأدعية وآيات من القرآن الكريم، كل هذا والأم والأخوات وأزواجهن في سعادة لا توصف، وأمال الجميع تكبر وتعظم بمرور الأيام.
كان يوم الخميس آخر أيام الأسبوع في مدرسة القرية حين عاد الصغير إلى بيته فوجد أمه قد أعدت طعام الغداء فجلس معها وأخواته حول الطبلية، وإذا بطرق على باب البيت، فنهض يفتح للقادم، فإذا به الشيخ محمود، الذي ما كان يتردد على البيت في غير أوقات الصباح يقول “يا ساتر”! أين الست أم عبد الله ؟ فردت الأم في استغراب للزيارة وتوقيتها، ها أنا ذا، تقدم لتتغدى معنا! رحب الرجل بالدعوة فأفسحت له بنتان مكانا إلى جوار أخيهما، فقال الرجل: يجعله عامر إن شاء الله بحس عبد الله! ثم أردف: لعلكم تستغربون من قدومي إليكم الآن، فلم أستطع صبرا حتى صباح الغد لأزف إليك البشرى يا أم عبد الله، فأنت الآن لست أم أحمد، بل أم عبد الله أفندي!
لم تفهم الأم من كلام الشيخ محمود شيئا، فهي فعلا أم عبد الله منذ ولادته، لكن العادة جرت على أن تكنى باسم أبيها، إن لم يكن لديها ولد ذكر، خاصة وأنها ظلت أما لبنات فقط لسنوات طويلة قبل أن يولد الابن الذكر، ولكن ما حكاية عبد الله أفندي هذه؟
لم تكد الأم تنتهي من وضع طبق خاص للشيخ الكفيف كي يأكل منه وحده بلا حرج، حتى تلمسه بأصابعه، وسأل عما بداخل الطبق، فقالت: “ورك بطة ورقاق مغطس في الفرن”، فقد خبزنا اليوم.
“يجعله دايما عامر يا سميع يا عليم يا كريم”!، كانت تلك عبارات الرجل قبل أن يرفع الورك إلى فمه ويقضم قضمته الأولى.
ثم أتبع: “شوفي بقى يا ستي”! ابنك أشطر واحد في المدرسة، الشيوخ مبسوطين منه قوي، وحفظه خفيف ونبيه خالص، وبكره تشوفي ها يكبر ويروح الأزهر ويعيش في المحروسة أم الدنيا، وها تبقى له شنه ورنه، وتقولي بقى الشيخ محمود ـ الله يرحمه ـ قال لي الكلام ده من كام سنة”.
“كل يا شيخ محمود بالهنا والشفا”!، كان تعليق الأم على كلام الضيف مع شعور بقبضة في صدرها لسماعها، الأزهر وأم الدنيا و…و…..
انقضى النهار، وغربت شمس يوم الخميس ذاك، وبدأ الظلام ينسحب على القرية ويدفع معه أهلها إلى داخل بيوتهم ليهجعوا إلى مضاجعهم، وإذا بالصغير يشكو من وجع في الرأس فتحسسته الأم على ضوء لمبة جاز خافت، فإذا برأسه وكأنها جمرة من النار، وشعرت برعشة ترج الصبي، فصاحت ملتاعة: “حسدك الشيخ محمود وأصحابه يا بني! منهم كلهم لله، إنها الحمىّ، يا عين أمك!”
أرسلت الأم صغرى بناتها إلى بيت أختها كي تأتي وزوجها، فما لبثت أن عادت ومعها أخواتها الثلاثة وأزواجهن، وأرسلت الأم في طلب أخيها “درويش” الذي جاء أيضا، والتف الجمع حول المريض الصغير الذي يتأوه من الألم، ولا يكاد يقدر على الرد على استفساراتهم التي لا تنقطع عن حالته.
شخّص خال الصبي الحالة بأنها ضربة شمس، وأنه “سيأخذ له الشمس”، فجيء له بمنديل قماش كبير وقضيب من الخشب، فأحكم الرجل لف المنديل على رأس الصغير، وأخذ يشدد اللفة على الرأس بتدوير القضيب في اتجاه واحد، والصبي يئن ويئن من الألم الجديد الذي أضافه خاله إلى ألمه، وبعد دقائق فك الخال الرباط، وطمأن أخته المتوترة، بأن كل شيء سيصبح تماما عند الصباح.
انفض المجلس من الرجال الأربعة الذين عادوا إلى بيوتهم، في حين قررت الأخوات الثلاثة البقاء في بيت أمهن مع أخيهن الصغير حتى الصباح.
أقبل الشيخ محمود كعادته بعيد شروق شمس يوم الجمعة ليتلو القرآن في المنظرة، لكن استقبال الأم له كان على غير العادة فاترا، فأخذ يتلو ما تيسر له من القرآن، وقبل أن ينهض خارجا بادرته الأم بقولها: “اسمع يا شيخ محمود! ابني كان هيموت ليلة امبارح. انتوا حسدتوه، ويكون في علمك، ده كان أخر يوم له في المدرسة، وها يقعد جنبي قدّام عيني”!
تلعثم الرجل، ولم يقدر على الرد، فهو أيضا مؤمن بوجود الحسد، وإن كان على يقين بأنه لم يكن يقصد الحسد، وإنما دفعه حبه للبيت وآله وللصغير أن يبادر بالسعي إلى أمه بالأمس ليبشرها بمستقبل ابنها الوحيد، لكنه تماسك وقال لها في خشوع: “قدر الله وما شاء فعل، يا أم أحمد! وتساءل: “هل يعني هذا أن عيشي انقطع من بيتكم؟”، فأجابت: “كلا، أهلا بك ومرحبا، ولكن لا تفاتحني بعد اليوم في هذا الأمر!”
بعد أيام قليلة انقشعت الحمى عن الصبي وبدأ يسترد عافيته، إلا أنه ما كان له إلا أن يرضخ لقرار أمه، ولم يكن بمقدور أخواته ولا أزواجهن ولا أي مخلوق أن يقنعها بغير ما قررت لابنها، فانقطعت علاقة الصبي بالمدرسة، وإن كانت علاقاته بأترابه لم تنقطع خلال الأسابيع الأولى من ابتعاده عن المدرسة، فكان بعضهم يروي له ما يحدث، إلا أن الروايات عن المدرسة أخذت في التلاشي رويدا رويدا، بعد أن تفرقت مشارب الصبية وأهواؤهم، فقد تنوعت عوالمهم، وأصبح عالمه محصورا في البيت والغيط والشارع غير بعيد عن أمه وأخواته.

موقعه على جسور:
http://www.jusur.net/barud.kesas
http://www.jusur.net/barud.ketabat
http://www.jusur.net/zakera1

الكاتب حسن بارود وأسرته